السبت10/2/2007
مثل تقرير مجموعة دراسة العراق، التي قادها جيمس بيكر، الوزير المخضرم الجمهوري، ولي هاملتون، المشرع الديمقراطي، بتكليف من البيت الابيض وبدعوي التحضير والاعداد لوضع سياسات جديدة تأخذ بتوصياتها وتعمل علي كسب الرأي العام الامريكي اولا قبيل الانتخابات التشريعية، التي خسرها حزب الرئيس الامريكي وفاز بها الديمقراطيون علي اساس الانسحاب من العراق وتصحيح سياسات الادارة الامريكية العدوانية، حظيت ما سميت باستراتيجية بوش الجديدة بصدد الوضع بالعراق باهتمام وتغطية اعلامية اكبر منها حجما واوسع منها واكثر تحديدا للمخاطر التي تدعي الوصول اليها. وهذه المخططات التي اعلن عنها الرئيس الامريكي بتسميتها باستراتيجية جديدة، وهيأ لها المناخات الرسمية والشعبية، وسعي عبر كل وسائل الاعلام الي انتظارها والتأمل بالاستفادة من توصيات لجنة بيكر هاملتون والاستماع الي غضب الرأي العام الامريكي والعالمي من العدوان والحرب والاحتلال، لم تكن كما اذاع عنها، وبدليل ان وقائع الميدان بما يرتبط بالرؤية الصهيو امريكية للمنطقة وافاق التطورات والتحديات الحاصلة والقادمة فيها لم تتحقق كما حسب لها في استراتيجية القرن الواحد والعشرين الامريكية وفي خدمة المصالح الصهيو امريكية بالمنطقة، بل اضافت لها ارباكا وعمقت في تدهور الاوضاع فيها علي مختلف الصعد، باعتراف التقارير اليومية التي تصدرها مؤسسات امريكية بدعم من الادارة الامريكية او من جهات اكاديمية لتنبيهها من الانزلاقات المجربة سلفا في اكثر من محطة سابقة، وابرزها الهزيمة من فييتنام. ويظهر امام العيان ومن خلال هذه التناقضات الصارخة بأن هناك مخططات سرية هي التي تنفذ عمليا وتسعي الي ما يجري واقعيا، وتتصادم مع الشعارات المخادعة التي تدعيها الادارة الامريكية ويصدقها حلفاؤها. توصيات بيكر هاملتون ارسلت الي الارشيف أو وضعت علي الرف وما قدم بديلا عنها ووقع عليه الرئيس الامريكي يقود الاوضاع التي انذر تقرير مجموعة دراسة العراق منها الي الاسوأ مما هي عليه الان. وهذا يعني بوضوح تام بأن استراتيجية بوش الثاني الجديدة كما يحلو له تسميتها تواصل استراتيجية اباحة الدم العربي والاسلامي، وفرض الهيمنة علي احتياطيات النفط والغاز بالمنطقة، عبر كل الوسائل بما فيها استمرار الاحتلال العسكري والاحلاف العسكرية وبناء القواعد العسكرية الجديدة، الاضافية لما هو منتشر بأركان المعمورة، ولاسيما حول ابار البترول والغاز والثروات الطبيعية الاخري، واشاعة الفوضي الواسعة بكل اشكالها، وايجاد الذرائع والمبررات لها، من خلال التخطيط لها وتوفير احتياجاتها، علنا وسرا، صراحة ومواربة، وجوبا وطوعا، مبتدأ من اعلان النصر باحتلال بلدان مستقلة وتدمير دولها ووصولا الي غاياته التدميرية. وما يجري علي الارض يبرهن ذلك ويدمغه بالفضائح والفظائع.ما سرب من تقرير المخابرات القومية الامريكية عن الوضع بالعراق يؤكد ذلك ايضا، بل ويشير اليه، وكأي جهاز امريكي يتحمل المسئولية عما تقوم به الادارة الامريكية رسم خبراؤه صورة مأساوية للوضع بالعراق. وهم يعرفون ما تعنيه تحليلاتهم وتصوراتهم لمؤسساتهم وللادارة الامريكية وللعالم، واضافوا لها تحذيرات عن تطور ما يجري من صراعات الي ما يقودونه الي حرب اهلية واقتتال داخلي بين مكونات الشعب العراقي. وبالتأكيد حين يكتبون مثل هذا القول، يدركون معانيه ويلمسون خطوات سيره، ومدي نجاح خططهم التي سيقت الحرب علي ضوئها، والمراحل التي طبقت بها، وادامة الاحتلال واستمراره، وعدد قواته ومرتزقته، ووسائل حمايته وبقائه وتوفير مناخاته وبيئته المحلية والحاضنة له، وضمن اطارات ما تعلنه وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس في مشاريع وشعارات براقة واسعة، وبين احلاف عسكرية وقواعد واساطيل حربية متقدمة تجوب المنطقة وتهدد الامن والسلم الدوليين وتعطل كل المواثيق والاتفاقيات والقوانين الدولية والانسانية. فهذا التقرير شاهد رسمي لما يسمي باستراتيجية بوش الثاني واهدافها المحققة والمنتظرة منها.حدد بوش الثاني في خطته الجديدة بعد ما يقارب الاعوام الاربعة من احتلال العراق واعلان تحمله مباشرة عما اقترف من اخطاء كما يسمونها لتخفيف الجرائم المرتكبة ضد الشعوب والبلدان الامنة المسالمة، ستة عناصر او مفاتيح لها، تستند علي تسليم القيادة للعراقيين، كاعلان رسمي يستجيب لضغط عام ومحلي، ولكنه يستهدف معني اخر، لانه يوظف اهدافا معينة للرؤية الامبراطورية الاستعمارية، وليس الانسحاب الطوعي وتسليم البلاد الي اهلها، اي بمعني توريطهم في الاقتتال والحرب الاهلية ودفعهم اليها والتقليل من الخسائر الامريكية البشرية، ولضخامة مثل هذه المهمات وحاجتها الي اعداد اكبر من الدعم اللوجستي الامريكي اعلن، في هذا العامل من الاستراتيجية، عن ارسال قوات اضافية، قدرها اولا بأكثر من عشرين الفا، لتضاف الي الاعداد الموجودة اساسا، والتي تعلنها وسائل الاعلام بما يقارب 130 ألفا، مع اشارات خجولة احيانا الي ما يشابه هذه الارقام من المرتزقة المساندين لهذه القوات، فضلا عن التجنيد المباشر، والذي تشرف عليه اجهزة المخابرات الامريكية القومية بفروعها المختصة.والمفتاح الثاني هو في المساعدة بحماية السكان، ومنذ اعلان الاستراتيجية ، وفي هذه المسألة وحدها، ازدادت عمليات ذبح السكان الي معدلات قياسية لم تشهدها سابقا، حتي باتت الارقام مفزعة فعلا لكل انسان، فلا يعقل ما يحصل علي الارض من مجازر يومية لا توصف بكلمات. وهذا يعني ان الاستراتيجية المعلنة لم تحقق خطوتها الثانية بما يتناسب مع اسمها وحججها. وهو ما يؤكد نواياها العدوانية الوحشية في تأجيج الصراعات الداخلية والاقتتال الدموي، عبر مفتاحها الثالث، المعنون بعزل المتطرفين داخل العراق، ( راجع كتاب بول بريمر: عامي بالعراق)، ويرد عليه تقرير المخابرات القومية الامريكية بأن العنف العراقي - العراقي يفوق التمرد المسلح الذي يشكله تنظيم القاعدة بالعراق . وقد يكون هذا التحذير كافيا لتبيان صورة خطط بوش الثاني وافاقها الميدانية.ووضع مخططو استراتيجية بوش الثاني عناصر اخري تعمق من ابعادها الداخلية في توسيع وتطوير العملية السياسية، ودعم الجهود الاقتصادية والاعمار الي جانب العملية العسكرية والسياسية، ومن ثم النظر الي ابعاد اخري فيما كانت تقارير كثيرة، من بينها توصيات بيكر هاملتون، تدعو اليها في النظر الي اسباب الصراعات في المنطقة والعمل علي استقرارها والتفاوض مع بلدانها وايجاد السبل الكفيلة لها، وهذه النقاط وضعت في الاطار العام، حيث لم تجد لها اصداء او اصغاء لدن بوش الثاني ولا نائبه ديك تشيني وعصاباته المهيمنة علي القرار السياسي في الادارة الامريكية، وهو ما يحذر منه الان في توسيع دائرة الفوضي بالمنطقة، ونشر اساطيل الرعب من الغزو والحرب، واجواء الموت والدمار والحصار والحرمان والضغوط الاخري التي تستهين بارادات وطاقات الشعوب والامة العربية والاسلامية، وتمارسها حسب اهوائها دون مراجعات حقيقية وتقديرات سليمة لمستقبل آخر.