السبت3/2/2007
أرقام مهولة، كل يوم تذاع وتمر بصمت وكأنها ارقام دروس مدرسية للتعليم المجاني وحسب، يتم نسيانها بعد الامتحانات المقررة، وكيلا تكون في جانب آخر ومهم من الاعلان عنها، محاولة تبرئة ذمة مثقلة بها، لابد من التأكيد عليها دائما. وهي في كل الاحوال اعترافات خطيرة صادرة رسمياً من مؤسسات وظيفتها غير التصريح والمشاركة في الجريمة. هذه الارقام احصاءات عن بعض صور جريمة معلنة، تثبت بالدليل الرسمي بعض ما يعيشه الشعب العراقي منذ بدء الغزو والاحتلال.تعبر الارقام، بكل قسوتها وألمها عن صلف وعناد وغباء ادارة مجنونة تعيش احلاما امبراطورية امبريالية لا ترعوي امام الكوارث الانسانية ولا أمام ما ترتكبه ايديها وقواتها من جرائم حرب حقيقية مدانة من كل القوانين والاعراف والاتفاقيات الموقعة عليها والمطالبة غيرها بتنفيذها، ولا تُحرج امام ما تراه بأعينها من مآسٍ يومية يشيب لها الولدان. وهي متواصلة في غيها حيث تظهر انشغالاتها باستراتيجية جديدة وكذب متواصل، وتشارك عصاباتها واللوبيات المحيطة بها والكونغرس بمناقشات روتينية وصراعات انتخابية وتدافع عن مصالح احتكارية تنتهي كلها باستمرار الخديعة والجريمة. وفي الوقت الذي يدعي الرئيس الامريكي بوش الثاني بنشر الحرية والديمقراطية والدفاع عن امن شعبه المهدد من افغانستان والعراق ولبنان وفلسطين فقط، ويهلل له فلول اتباعه وحلفاؤه وحتي بعض منافسيه، ونجاح جولات وزيرته كوندوليزا رايس في كسب او فرض التوافق والرضا العربي والاسلامي لخططه العدوانية الامبريالية المرفوضة او الموضوعة تحت السجال الامريكي الداخلي، في هذا الوقت يعلن وزير عراقي من المكلفين بمهته عن ارقام واحصائيات تدل علي بعض الجريمة بعينها، وتضفي علي جريمة الاحتلال وانتهاك حقوق الناس والاستهانة بالحرية والديمقراطية وأي مفهوم آخر، شوهته آلة الاعلام الامريكي الرسمي، سمات إضافية فاضحة للتناقضات والارتباكات الفاقعةهذه الأرقام الرسمية المغلفة بتعليمات النشر والاعلان الامريكية الرسمية، (تنشر منظمات انسانية متابعة ارقاما واحصائيات اخري، اكبر فزعا واكثر رعبا)، تتحدث عن السجناء فقط في بلد حوّل الي سجن رسمي بكل المعايير والقوانين الانسانية، فحسب تصريح وزير العدل العراقي: " وجود 14 ألف معتقل عراقي في سجني بوكا وكروبر الواقعين تحت سيطرة القوات البريطانية والأمريكية، وعدد المعتقلين لدي "القوات المتعددة الجنسية" وصل الي 4400 معتقل، وأن سجون وزارة العدل تعاني من اكتظاظ كبير فوق طاقتها الاستيعابية المحدودة وهي غير قادرة علي نقل هؤلاء السجناء الي معتقل أبو غريب في الوقت الحالي بسبب تدهور الوضع الامني وصعوبة توفير الحماية للمعتقلين، اما المحتجزون لدي الحكومة العراقية فأعدادهم مختلفة حيث يصل عدد المعتقلين لدي وزارة الداخلية الي اكثر من 8000 معتقل ولدي وزارة الدفاع اكثر من 1800 معتقل، اما في وزارة العدل فعدد المعتقلين وصل الي 2400 معتقل أحيلت أوراق غالبيتهم الي المحاكم المختصة ومازال آخرون علي ذمة التحقيق لدي القضاء العراقي، واطلق سراح 20398 حتي حزيران/ يونيو الماضي". (انتهي نص ما تفوه به الوزير)، وبلا شك تبدو الارقام متواضعة لما هو عليه واقع الامر، ومتناقضة مما يجعل المسئولية عنها اشد منها ومن خداع الذات التي تمارس علنا ورسميا. فعدد السجون، التي تسمي بهذا الاسم، كما بات معروفا تعد بالالاف، سرية وعلنية، واعداد المعتقلين الاحياء فيها لا يتطابق مع هذا التصريح، ولا يمكن اعتبارها مقاربة له، حتي بات العراقي رقما بين الاعداد، بين من يكون من مجهولي الهوية، او من يعذب ويرمي مقتولا قرب بيته او داخله، او من ينتظر... مما يصعب توثيقه، لا رسميا ولا اعلاميا ولا مهنيا. وتزيد الارقام الاخري المصاحبة لتدهور كل الاوضاع من عتمة الصورة، وتضع كل هذه الارقام بتعدد مصادرها شاهدا ودليلا علي حجم الجريمة المعلنة، ورغم انها بعض صورتها. كيف يتسني لمسئول بعدها النوم علي وسادته مرتاحا؟ وكيف يقبّل اطفاله ويري وجوه عائلته بضمير حي؟، سواء داخل أو خارج العراق.. ولماذا يصمت الكونغرس الامريكي ومجلس العموم البريطاني عن هذه الارقام الرسمية، وكيف اذا عرفت الوقائع والحقائق كلها؟.في التقرير السنوي لعام 2006 لمنظمة تتابع حقوق الانسان بالعراق، من مقرها بامريكا، نشرته بعض المواقع الالكترونية، فضائح عن تدهور الاوضاع الامنية والانسانية والاقتصادية وتفشي ظواهر القتل والاغتيال والفساد الاداري والمالي بشكل يهدد مصير العراق، وتسجلها بالارقام ايضا، وتنظم احصائيات علمية من خلال البيانات الاعلامية ودوائر وزارة الصحة العراقية، وفق مضمونها، حيث تنشر ان عام 2006 شهد مقتل 25.878، ( وهناك احصاءات اخري للامم المتحدة ولمنظمات رسمية تزيد او تتقارب معها، وكلها تعبر عن الكارثة البشرية في اقل الاعتبارات)، اما مجموع المصابين والجرحي فقد بلغ 24.184 ألفا، وتم اغتيال أكثر من 186 اعلامياً وناشطاً مدنياً، واكثر من 200 من الكوادر الاكاديمية والعلمية، من العلماء والأطباء ذوي الاختصاص والأساتذة الجامعيين. فيما تصاعدت عمليات التهجير الطائفي، وظواهر اقتحام المنازل دون اذن قانوني من قبل مفارز الشرطة أو الجيش، وسواء تم فيها الاعتقال أو لم يتم، يعتبر فعلاً مخالفاً للدستور ولحقوق الانسان. وكشف التقرير ان عمليات التفخيخ، والقتل اليومي وصلت الي مستويات خطيرة، حتي اصبحت بعض الأماكن في بغداد أشبه بمواقع منكوبة، أو كأنها خارجة تواً من زالزال، أو اعصار رهيب، ناهيك عن أنهار الدم التي تجري بسبب اعمال العنف. واضاف التقرير ان هناك هجرة خارجية لا تقل مأساة عن مأساة الهجرة الداخلية، فقد غادر العراق نحو مليوني مواطن الي دول عربية واجنبية، حيث وصل عددهم الي 700.000 في سورية، و600.000 في الاردن و120.000 في مصر، و9659 عراقيا ينتظرون حسم قضايا لجوئهم في السويد، واكثر من 5 الاف عراقي في لبنان، و2000 عراقي في تركيا، والاف العراقيين المغادرين الي اركان الارض الواسعة. ولا يختلف ما سبق الاشارة له في التقرير المذكور عما تنشره منظمات اخري، بما فيها هيئات الامم المتحدة ذات الاختصاص بالهجرة واللجوء وحقوق الانسان. وبعد كل الارقام، يصر الرئيس الامريكي بوش الثاني، ونائبه ديك تشيني وحلفاؤهما علي مخططات الحرب والاحتلال وتوسيع مناطق التوتر والحروب والازمات، رغم صيرورتها من فشل الي حماقة، ومن ورطة الي خسائر جسيمة في المال والدم، من كل الاطراف المشتركة بها، ومن رفض الي تحد، ومن اخفاق الي تدهور، حتي باتت مصائر الافراد قلقة داخل العراق وخارجه، واصبح مصير البلاد ايضا محفوفا بالمخاطر، اذا استمرت وتصاعدت هذه الارقام، وهنا المأزق الكبير.