02 فبراير, 2012

بعد انسحاب/ هزيمة العسكرية الامريكية يجب تدمير بغداد!

العودة إلى أوراق التاريخ فيما حصل ويحصل للعراق ضرورة ودرس وعبرة. قلة من تتمعن وتستفيد، وقلة من تقرأ بتروٍ وتبصرٍ، وقلة من تهتم بالأمر كله أساسا. هذه مشكلة فعلية وقضية خطيرة. العواقب في مثل هذه الأمور لا تضر صاحبها فقط وإنما تشكل خطرا شاملا ومستمرا إذا لم يجر إدراكها والتصدي لها بما يناسبها ويوقفها عند حدودها في أفضل وأحسن الحالات.
في فصل تحت عنوان" يجب تدمير بغداد" من كتاب (خطورة أمريكا، ملفات حربها المفتوحة في العراق) للصحفي والسياسي الفرنسي نويل مامير وزميله السياسي الفرنسي باتريك فاربياز (ترجمة ميشال كرم وإصدار دار الفارابي- بيروت، 2003) إشارات مفتوحة لمن يريد ان يرى حقائق السياسات الإمبراطورية الامريكية وتناقضات شعاراتها التي تضلل بها الرأي العام، ولاسيما العربي الرسمي، الذي يتغنى بالشرعية الدولية ويحتمي بها ضد شعبه. ورد فيه: "معسكر الحرب يردد بصوت واحد النغمة المعروفة التي كان مجلس الشيوخ في روما القديمة يرددها إزاء قرطاجة: "يجب تدمير بغداد" لكن هذه النغمة التي تسمع منذ سنة 1991 لم تكن دائما في راس لائحة أنغام الدبلوماسية الامريكية". وأضافا: "إذا لم يكن النفط سوى احد أهداف حرب الخليج الأولى (بين العراق وإيران 1980- 1988) فانه كان بوضوح في قلب الثانية  (1990- 1991)." ومن اجل النفط والأهداف الأخرى في المنطقة حافظت الولايات المتحدة على الالتباس في طرح نفسها أمام من يتعامل معها أو يرتبط بها أصلا ولم تراع الثمن العراقي. فالحرب الأولى التي شنت بمباركة الأمم المتحدة وبتحالف ضم ثماني وعشرين دولة قادته الولايات المتحدة، وانتهت بعد اثنين وأربعين يوما من الغارات الجوية والهجوم البري.. أودت كما صار معلوما بحياة حوالي ربع مليون شخص بينهم 100,000 جندي عراقي (...)، و60,000 إلى 80,000 ضحية أضرار متصلة بالحرب، والباقي ذهب ضحية قمع الحكومة لانتفاضة شجعتها الولايات المتحدة ولم تساندها. وفر مليونان من اللاجئين نحو الحدود التركية والإيرانية. (وظلت هذه أرقام فقط!).
وما يجدر الانتباه له ما ذكراه أيضا، "وقبيل نهاية الحرب، جرت حادثة لم تلفت الانتباه، رغم أنها تلقي ضوءا على الوضع الراهن. ففي شباط / فبراير 1991 عرض الرئيس بوش خطة الولايات المتحدة بشان الطاقة لمرحلة العشرين سنة القادمة. لقد دعا في هذه الخطة إلى تسارع عام في استهلاك النفط ورفض فرض أي رسم على المحروقات. وهو بذلك قد استبق خطة شيني بعشر سنوات".
انتهت تلك الحرب بهزيمة السلطة العراقية ولم تقترن بسقوطها لحسابات الادارة الامريكية وخشيتها من تطورات لا تريدها آنذاك، كقيام دولة كردية وزعزعة استقرار حليفتها تركيا وقيام دولة شيعية، مجاورة لإيران. كما كتب الكاتبان "الأوربيان"، وأضافا بأنه قد تخلى الأميركيون عن العراقيين وعن الأكراد الذين أعلنوا العصيان على الحكومة العراقية بناء على نداء من بوش. وقد أفضت هذه "السياسة الواقعية" حسب الطريقة الكسينغرية في آذار/ مارس 1991 إلى ذبح عشرات الآلاف من الثائرين. (ويلاحظ الآن ما تخطط الإدارة الامريكية له وما تخشى منه فعلا!).
لقد سببت الحروب التي سميت باسم حروب الخليج والتي استمرت عشر سنوات الكوارث. سماها المؤلفان بالحرب الصامتة التي جمعت بين الحصار والغارات الجوية وكانت لها عواقب رهيبة على الشعب العراقي. الأمر الذي يتناساه الكثيرون أو لا يريدون سماعه والإطلاع عليه وهو الأهم في كل ما نتج عن تلك الحروب الامبريالية الامريكية ومن راهن عليها. فبحسب اليونيسيف ارتفعت نسبة الوفيات بين الأطفال من 56% إلى 131% وبات سوء التغذية يهدد مليون طفل دون الخامسة من العمر، أما اللقاحات فلا تصل إلا بعد ان يتفشى الوباء لان استيرادها اصدم بصعوبات هائلة، بمشاركة الدول المجاورة للعراق فيه. وقد تسبب الحظر هذا بوفاة  أكثر من مليون شخص، بينهم 600,000 طفل في سنة 1996، وخلال برنامج "ستون دقيقة" على قناة سي بي اس، ردت مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الامريكية، بوقاحة على سؤال مذهل، حول هذا الرقم الكبير من الضحايا الأطفال بسبب الحظر، قائلة: اعتقد ان هذا الخيار صعب جدا، لكن الثمن .. نعم.. نعتقد ان الثمن يليق بالجهد" . فهل أدرك المتسابقون اليوم لخدمة الادارة الامريكية هذا الثمن؟.
واصل الكاتبان تفاصيل شرح ما حصل للشعب العراقي من تدمير للنظام التربوي العراقي في ذلك الزمن: 30% من الأطفال لم يعودوا للمدارس، ونقل التلاميذ إلى المدارس لم يعد مؤمنا بشكل صحيح. وتأثيراته على المرأة والطالبات منها. وكذلك ما حل في الاقتصاد العراقي من دمار. فخلال عشر سنوات أدى تدمير الإمكانات العراقية واستحالة إعادة بنائها إلى العودة بالبلاد إلى ما قبل العصر الصناعي. وهو ما خططت له الادارة الامريكية.
بعد هذه الكوارث التي حلت بالشعب العرقي جراء السياسات الامريكية وحلفائها في المنطقة، ولظروف داخلية امريكية أصدرت الادارة تعديلات لقوانين الحصار وتخفيفها ولكن بفرض ما سمته الادارة بالعقوبات "الذكية ". وبعد 11 أيلول/ سبتمبر 2001 وبعد عدم استنكار أحداثها اعتبر استفزازا للإدارة الامريكية ووضع العراق من جديد أمام عصابات البنتاغون وما خطط له ونفذ من بعد.
لم تعد كوارث الحروب التي تشنها الإدارات الامريكية في وارد مخططيها أو توابعهم كما ظهر من خلال الحروب التي شنتها، وما زالت تواصلها بأشكال اخرى على العالمين العربي والإسلامي خصوصا. وما يزيدها كارثية هو تصديق أو رهان من يدافع عنها ويتوافق معها رغم ما يراه من نتائجها. في التاريخ دروس عن الحروب التي شنتها الإدارات الامريكية والتي أعلنتها انتصارات لها وانتهت بهزائم فعلية ومحن كبيرة عليها وعلى الشعوب التي ابتلت بها، ولم يتعظ بها. وللأسف هذا ما يجري اليوم!. 

31 يناير, 2012

العراق: متفجرات سياسية وأمنية متتالية...

تختلف أساليب الاحتلال والحرب الامبريالية من زمن وآخر، أو تتغير مع تطور العلوم والتقنية والاتصالات وغيرها بما يقابلها ويستفيد منها، ولكن مع استمرار تقاليدها وأسسها العدوانية. الأمر الذي يتطلب قراءتها ومتابعة ما يحدث في سياسات العدوان والهيمنة ومحاولات تجديد مخططاتها ومشاريعها. ما عبر عنها بوضوح ما سمته الادارة الامريكية انسحاب القوات العسكرية الامريكية من العراق وانتقالها إلى قواعدها الإستراتيجية الثابتة في دول الخليج والكيان الإسرائيلي، والحديث عن وعود إكمال الانسحاب من أفغانستان. وهذا حسب وجهة نظرها التي تبعد عنها ظروف وعوامل التسريع والهزيمة، والتي بدونها أساسا لا تضطر أو تنهزم كما حصل في العراق وستتلوه في البلدان الأخرى التي ابتلت بالغزو والحرب. وردا أو استباقا لتوقعات وتغيرات متعددة لم تترك الادارة الامريكية العراق خاليا من تداعيات الانسحاب/ الهزيمة ومن صناعة أزمات لا تتوقف عند حدود التخلص من الاحتلال العسكري المباشر وترسيخ احتلال ناعم بقفازات مدنية ومتفجرات سياسية وأمنية متتالية. هذه الممارسات تعكس تحولات واستمرارا في مشاريع الغزو والعدوان الاستعمارية وبسط النفوذ وتنوع أشكاله، ورد فعل على الهزيمة/ الانسحاب العسكري.
في الواقع.. ليست العملية بكل جوانبها سهلة أو يسيرة على مجمل مخططات العسكرية الامريكية في العراق والمنطقة. الهزيمة تدفع الادارة الامريكية إلى العمل على تغيير برامجها ومخططاتها وتطويرها وفق التطورات الأمنية والسياسية والعسكرية على مختلف الصعد، ومن أبرزها إعادة الانتشار في المنطقة، والتوزع بين التواجد العسكري الفعلي والقواعد الإستراتيجية والنفوذ السياسي والاقتصادي والهيمنة الامبريالية. وهو ما يحصل الان. يفصح عن ذلك كله، ما قاله الرئيس الأمريكي الحالي باراك اوباما أثناء إعلانه الانسحاب العسكري وفق الاتفاقية المبرمة بين بغداد وواشنطن وتحديد جداول الانسحاب وتواريخها، من انه استفاد من دروس الغزو والاحتلال والحرب، وأكد على تغيير الأساليب وتقدير الأثمان الباهظة فيها، وتجنب تداعياتها في الداخل الأمريكي وعلى الصعد المختلفة، وكذلك رده أو تبرؤه من خطابات عصابات الادارة التي سبقته، وخططها وذرائعها التي تبيّن خداعها وتضليلها على مختلف المستويات أيضا.
ما حصل في العراق اثر الانسحاب العسكري الأمريكي المتفق عليه من تفجيرات ومتفجرات سياسية وأمنية تشرح طبيعة الاحتلال وسياساته الاستباقية وتربط بينها بشكل لا يحتاج إلى دليل أكثر منها هي نفسها. ترسمها صورة الأشلاء العراقية المتناثرة في شوارع المدن العراقية وتصاعد الأرقام في الضحايا والخسائر البشرية والمادية، بدلا من الاحتفال بالجلاء العسكري في حده الأدنى، والعمل على إنهاء كل أشكال الاحتلال الأخرى، وإعادة الأعمار والبناء لعراق حر مستقل ديمقراطي. حيث رسمت المفجرات السياسية وقائع الاحتلال والقائمين بدورهم فيه من شخصيات وأطراف سياسية شاركت في عمليته السياسية وتسابقت في خدمته ورسم ملامحه على الأرض. وهو الدور الذي عرف تاريخيا من تجربة الاستعمار القديم والجديد. لاسيما في البلدان التي ابتلت به وتتعايش فيها مكونات متنوعة تاريخية.. كما فضحت الأحداث حقيقة ادعاءات من شارك في العملية السياسية باسمها أو بتغطيتها بشعارات براقة متوافقة مع سياسات الاحتلال أكثر مما هي تعبير عن منطلقات صادقة ومخلصة. وهو ما تكشفه التصريحات والرسائل المرسلة إلى عنوانها الوحيد عبر وسائل إعلامه، أو في اللجوء إلى السفير الأمريكي في بغداد، والتشكي له، والعودة الصارخة لبدايات الغزو والاحتلال والارتباط بمصالح السياسات الامريكية في العراق والمنطقة والتسابق بينها حول الولاء والارتهان بتلك السياسات لا بالمصالح الوطنية والقومية والدينية لها في عراق جديد فعلا. والأغرب في الأمر ان كل تلك القوى المشتركة في العملية السياسية تنتقد بعضها بعضا وتسجل ملاحظاتها على الدستور ومواده والانتخابات ونتائجها، وقوائم الفساد والإفساد، وأعمال الإرهاب والقتل والاعتقال، وهي أمور معبرة عن مساحة التغير في العراق، ولكنها تتراجع وتتقهقر حتى هذه الأشكال اللفظية من التعبيرات السياسية بإشارات من السفير الأمريكي في بغداد أو من يخوله بالتصريح بذلك أو توجيه الأوامر فعليا. وهي حالة عراقية، وربما عربية في بعض البلدان، ملفتة للانتباه والدرس والاعتبار منها بعد التحولات والانتفاضات العربية والصراخ العالي رسميا عن الاستقلال والحرية.
يعبر عنها ما يجتاح الشارع السياسي العراقي من الإشكاليات العامة التي تتدرج من التهديدات السياسية بتعليق عضوية وتجميد أعمال مؤسسات العملية السياسية، إلى تقسيم البلاد بمطالبة محافظات معينة بالتحول إلى أقاليم مستقلة، الأمر الذي ينطق بتعثر التفاهم وتعمق الانقسامات بين "المسؤولين" العراقيين، والتوجه إلى مرحلة جديدة من الفوضى. يضاف لكل ذلك تصعيد الأزمات إلى صراعات حادة ومدها إلى خارطة مكونات طائفية وقومية واستغلالها، وصولا إلى التهديد أو التحذير أو التخوف من انزلاق البلاد إلى حروب دامية، لفرض شروط ومطالب لا تخدم المصالح الوطنية للعراق الجديد!.
أثبتت الوقائع الجارية بان الشعارات التي رفعتها الادارة الامريكية بعد فشلها في تصديق ذرائعها في غزو العراق واحتلاله لم تنجح في تطبيقها وتنفيذ ادعاءاتها حولها عمليا وظلت أسماء محرفة عن معانيها. كما هو الحال مع شعار الديمقراطية الذي كرره اوباما أيضا في تأكيده عليه بعد الانسحاب.. ونموذجيته أفصحت بان تأسيسه على أسس خاطئة ومضللة يثمر نتائج خاطئة بديهيا، وهو ما عليه العراق اليوم. فلا شعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والاستقلال وغيرها تحققت في العراق إثناء السنوات العجاف من الغزو والاحتلال ولا بعد الانسحاب العسكري وتمديد النفوذ بكل أشكاله عليه.
صحيح تم الانسحاب العسكري الأمريكي فعلا ولكن لم ينته الدور الأمريكي ولا النفوذ المتعدد الأشكال، والذي يدخل في إرباك العديد من الذين جاءوا مع الاحتلال أو أسهموا فيه أو تمرنوا على يديه ووظفوا جهودهم في خدمته، سواء برضاهم أو بضرورة الحاجة، كما تعلن ذلك الخطابات الرنانة التي تستعيد الأهداف التي رسمت بجهودهم وما سموه بالعملية السياسية الامريكية، بإعادتها إلى مربعها الأول، وإثارة فوضى أزمات بعد ما يقارب من تسع سنوات من الاحتلال وجرائمه. وما يعيشه العراق حاليا من متفجرات متتالية على مختلف الصعد يقدم دروسا وعبرا لابد من تفحصها باستمرار والتصدي لمخاطرها الكارثية.

26 يناير, 2012

أطفال فلسطين

لم يجر الحديث أو تحصل المناشدات الإنسانية مع وعن حالات أطفال فلسطين عموما والأسرى منهم خصوصا في الكثير من المجالات والفرص المتاحة لاسيما لدى وسائل الإعلام العربية والفلسطينية حصريا إلا في بعض المناسبات أو الأحيان. كما هو حال بعض تقارير رفعها أعضاء برلمانيون إلى مجلس العموم البريطاني ودخلت دهاليز وأروقة مبنى البرلمان. في الوقت الذي تسرب مخططات عن توجيهات لإثارة رعب وقتل وتدمير للأطفال والنساء وتصويرها كحالات رسمية في مواقع عربية خاصة، مستهدفة حاليا ومطلوب وضعها في مرمى الهدف الاستعماري. بينما المشهد لا يحتاج إلى مثل تلك التوجيهات في السجون الصهيونية في فلسطين المحتلة. فماذا يعني هذا وبم يفسر؟ وكيف تفهم هذه التعليمات والتسريبات العربية؟.
من جميل الصدف أو من حسن أعمال بعض الضمائر الحية في بعض وسائل الإعلام الغربية الاهتمام بهذا الموضوع وتذكير من يدعي زورا أو نكاية بالاهتمام بمثل هذه الحالات، حتى من بين أهلها وهذا أمر يتطلب تسليط الضوء عليه وعدم إهماله. لا سيما وقد اكتنز كثيرون منهم مالا ووسائل إعلام باسم الشعب الفلسطيني وأطفاله.
آخر من ذكرنا بأحوال أطفال فلسطين صحيفة الغارديان البريطانية في تحقيق واسع لها يوم 22/1/2012 بقلم مكاتبتها من الضفة الغربية هارييت شيروود تحت عنوان: الأطفال الفلسطينيون، وحيدون ومحتارون في سجن الجلمي الإسرائيلي.
وضعت الكاتبة هارييت شيروود، عنوانا آخر لتحقيها الخاص أكدت فيه، ان النظام القضائي الإسرائيلي متهم بإساءة معاملة الأطفال الفلسطينيين المعتقلين بتهم رمي الحجارة. وبدأت التحقيق في وصف غرف الاعتقال والتحقيق. والزنزانات الانفرادية والعذابات التي كابدها من قابلتهم من المعتقلين الأطفال في ذلك السجن. فكيف حال غيرهم في السجون والمدن الأخرى؟. كما تطرقت إلى الزنزانة رقم 36 الانفرادية التي يرمى بها الأطفال لزيادة معاناتهم، وذكرت ان احدهم زج فيها 65 يوما. ولم يجد فرصة له خارجها إلا عند التحقيق معه ولكن أيضا بتكبيل يديه ورجليه بسلاسل السجن. ونقلت الصحفية عن الأطفال المعتقلين الذين التقتهم نفيهم التهم الموجهة ضدهم، وان أكثرهم اخبروها عن استخدام العنف ضدهم، وتعرضهم لتعذيب نفسي وللشتم بألفاظ نابية مثل "أنت كلب، وأنت ابن عاهرة".
وأضافت الكاتبة ان الكثير منهم عانوا من قلة النوم، وان بعضهم انتهى به الأمر إلى زنزانة انفرادية، كما اجبروا على التوقيع على اعترافات مكتوبة لم يكونوا قد أدلوا بها.. وأفادت شيروود إلى ان ما بين 500 إلى 700 طفل فلسطيني يعتقلون كل عام بتهم أكثرها رمي الحجارة، وانه منذ العام 2008 تمكنت الجمعية العالمية للدفاع عن حقوق الأطفال (DCI) من جمع إفادات من نحو 426 طفل فلسطيني اعتقلتهم السلطات العسكرية المحتلة وحوكموا في محاكم عسكرية. وادخلوا في زنزانات انفرادية ومورست ضدهم شتى صنوف التعذيب والارتكابات المخالفة لأبسط حقوق الإنسان، والأطفال، وخرق المعاهدات الدولية والقوانين المعترف بها بالتحقق والتعامل مع الأطفال. ومن بينها اتفاقية جنيف الرابعة. وهو ما طالبت به بعض منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان وحماية الطفولة في تنفيذها ووقف انتهاكها.
التحقيق واسع وشامل وفيه مقابلات عدة مع مختلف الأطراف صاحبة العلاقة في السجون والمنظمات الأخرى. وكذلك مع الأطفال المعتقلين وبعض أهاليهم. ونقل صورا عدة عنهم وعن عذاباتهم المتنوعة. ومن بينها ما ذكره والد احد الأطفال الذي سجن وهو ابن 14 عاما بتهمة رمي الحجر، بأنه تعرض إلى صعقات كهربائية أثناء التحقيق.
وختمت الكاتبة تقريرها في لقاءات مع منظمات ترعى برامج حماية الأطفال وتأهيلهم اجتماعيا بعد الاعتقال ونقلت عن مدير إحداها قوله: "الأسر تعتقد أنه عندما يتم الإفراج عن الطفل، هذه نهاية للمشكلة، ونحن نقول لهم هذه هي البداية ". وكذلك أشارت إلى ان الطفل بعد الاحتجاز وإطلاق السراح يظل يحمل العديد من أعراض الصدمة: كوابيس، وفقدان الثقة في الآخرين، والخوف من المستقبل، والشعور بالعجز والتفاهة، والسلوك القهري، التبول اللاإرادي، والعدوان والانسحاب وعدم وجود الحافز. وباختصار هذا ما يراد ان يكون عليه أطفال فلسطين أو ما يخطط له العدو ويسعى إلى تنفيذه. وهو الأمر المشترك الان لكل من يتهرب عن المسؤولية وينحو نحوا آخر ويتجه لعقد صفقات ذكرت سابقا من خلال تسريبات إعلامية.
الصحيفة والكاتبة دقتا الناقوس وأوضحتا بالقلم العريض مسؤولية كبيرة على من يهمه الأمر أو بيده أمرا ان يكون عند مسؤوليته ويخطط ويبرمج لما يوضع نصب الاهتمام وإعادة النظر في دعم والسهر على بناء أجيال شابة قادرة على التحدي والتصدي لمهمات التحرر الوطني مهما كانت الصعاب. وحين نقرا تهرب وابتعاد عن أطفال فلسطين نعرف تماما ماذا يبيت للأطفال العرب عموما. ومَن يريد ان يدمر الأجيال القادمة وما يخطط لهذه الأمة؟. فهل من سامع ومستجيب؟!

18 يناير, 2012

هذه الصوّر .. بعض افعالهم..!

كل يوم فضيحة إضافية لأعمال قوات الاحتلال الأجنبية في عالمينا العربي والإسلامي، أو فيما يوجه ضد العرب والمسلمين عامة. إلى درجة لم تعد تحصى ولا يمكن الصمت عليها. ورغم كل هذه الجرائم هناك بعض من يحاول تمرير مثل هذه الجرائم والتفرج عليها وكأنها بعيدة عنه، وانتظار ما لم يسمع أو ير من أفعال قوات الاحتلال والغزو والشعارات المخادعة. كأن هذه الصور والجرائم غير واضحة وكافية للاتعاظ والتمعن بالمصائر. هذه الفضيحة الجديدة، التي كشفتها صور الفيديو التي لا يمكن إنكارها أو التهرب منها. أربعة جنود من مشاة البحرية الأمريكية (المارينز)، القوات الامريكية المختصة بالغزو والاحتلال، النخب العسكرية الخاصة تقوم بالتبول على جثث ثلاثة مواطنين أفغان مرميين على الأرض في بلادهم، ويتحدث هؤلاء القتلة المجرمون بتمتع بما يقومون به ويتبادلون الجريمة فيما بينهم وهم يتصورون، يثبتون جريمتهم بالصور، دون حرج أو خجل أو حياء إنساني وأخلاقي عام. جرائم وحشية بشعة بكل تفاصيلها وجزئياتها. وبالتأكيد هذا ما كشف مؤخرا.. انه امتداد كامل لسلوك متواصل لجنود النخب العسكرية الغربية عموما، فكيف بالمرتزقة منهم والمتعاقدين وشركات الجريمة المنظمة؟!. لقد تكررت هذه الانتهاكات والارتباكات على مر تاريخ الغزو والاحتلال. ليست فضيحة اخرى فقط. إنها إضافة لمسلسل الجرائم الوحشية اللاانسانية التي تفضح أخلاق وسلوك الاحتلال والغزو. هؤلاء الجنود وهذه الجريمة ليست التفاحة المتعفنة الوحيدة في السلة، والشواهد كثيرة. وهنا ضرورة عدم تقبل تبريرات المسؤولين عن تلك الجرائم، وتصديق دعاويهم بأنها ليست من ممارسات الاحتلال وسلوك العدوان وقواه وان تعاليم إداراتهم لا تسمح بمثل ذلك. لقد وضعت هذه الجرائم كل تلك الأقوال على محكها الفعلي وقدمت برهانا كاملا عنها وعن طبيعة الغزو والاحتلال.
كشفت صور الفيديو حقيقة واضحة عن ممارسات قوات الغزو والاحتلال، خرقا فاضحا للقوانين والقواعد والأعراف. لا يغني تبريرها بكلمات وعلاقات عامة واتصالات على مختلف الأصعدة الرسمية وإدانة لفظية وتملص من تحمل المسؤوليات. هي انتهاك صارخ للقوانين الدولية الإنسانية واتفاقيات جنيف حول معاملة سكان البلدان المحتلة وكذلك من جوانبها الأخلاقية والإنسانية. وتعيد الصور الأخيرة إلى الذاكرة صور كل الجرائم التي تفننت بها قوات الاحتلال في كل مكان ابتلى بها. من التاريخ القريب ما حصل عموما في أفغانستان، والعراق ولبنان وغزة، وفي معتقلات باغرام وغوانتانامو وابوغريب، مثالا وحسب، وللتذكير فقط.
لم يجد الرئيس الأمريكي باراك اوباما حين تولى رئاسته ودخل البيت الأبيض إلا الإقرار بضرورة غلق هذه الصفحة السوداء في تاريخ أمريكا المعاصر، ولكنه لم يستطع ان يفي بوعده هذا إلى اليوم، حيث احتفل قبل أيام بمرور عشر سنوات على جرائم معتقل غوانتانامو، وما زال محتفظا بعشرات المعتقلين دون محاكمة ودون اتهامات حقيقية غير تلك المزاعم التي وجهت لهم أيام الجنون الأمريكي وقيادة عصابات المحافظين الجدد والكاوبوي الأمريكي. واستمرارا لهذا العار الأمريكي بامتياز، بانتهاك ابسط حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية، تلك الشعارات التي تزعم إدارات واشنطن وتتشدق بها دائما وفي كل المحافل العالمية، دون ان ترى ما فعلت أيديها في هذه الجرائم التي لا يمكنها إنكارها أو التهرب منها.
حرمة الموتى أو القتلى لا تعني عند القتلة والمجرمين شيئا. انتهاكها جزء من صفحات الاحتلال والغزو والعدوان. هي جرائم مثبتة وشواهد حية ناطقة بالاتهام والإدانة الكاملة للسياسات والخطط الإمبراطورية. جرائم بشعة لا إنسانية ولا أخلاقية بكل المعاني. ورغم ذلك تدخل هذه الجرائم في عمليات العلاقات العامة والتخفيف منها وتمريرها إعلاميا بهدوء وخسة تخالف بها ما تدعيه، لاسيما وسائل الإعلام الناطقة باللغة العربية، من خلال تصويرها أخبارا عادية دون التركيز عليها وتكرارها كما تفعل مع غيرها من الصور والأحداث، لتمارس دورها في الفضح والكشف والإدانة ومنع تكرارها. وكأنها تشارك فيها فيما تقوم به من تغطية سريعة وبعيدة عن المهنية وشرف الوسيلة.
مثل هذه الصور تعكس بشاعة الاحتلال والغزو ولابد ان توضع في موقعها الصحيح من جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان والارتكابات ضد الحريات العامة والعدالة والأخلاق البشرية. وهذه الجرائم تستعيد تاريخ الجرائم وتذكر بجرائم الاحتلال في العراق مثلا، في الفلوجة التي استخدمت ضدها آخر أنواع الأسلحة المحرمة دوليا، ومدن حديثة وابوغريب والمحمودية والصدر والنجف الاشرف والعمارة، وغيرها من المدن والمواقع التي سجلت صفحاتها في تاريخ العار الأمريكي. كذلك ما حصل في الحرب على لبنان وغزة وما ثبتته صور الفضائيات من جرائم قتل واستخدام أسلحة فتاكة وتجريب أعتدة محرمة.
صور جنود البحرية الامريكية وهم يتصرفون بهذه الممارسة الوحشية مع جثث مدماة، حادث واحد صورته عدسة فيديو وبث على شبكة الانترنت وفضح الجريمة. كم جريمة مثله لم تصورها العدسات أو لم يبث بعد؟!. وهي كلها صور متشابهة عن الجرائم والممارسات التي ترتكبها قوات الاحتلال على مدى تاريخ الغزو والعدوان. ليست وحدها طبعا فان ما ينشر بين فترة وأخرى يعري كل تلك الأحداث وتكرارها في أكثر من بلد وشعب. وليس الاحتلال وحده فقط وإنما أذنابه ومن يتعامل معه يكررون الجرائم ذاتها أو بأساليب اخرى. الجرائم اليومية التي تحدث تكشف طبيعة الاحتلال وخططه ومشاريعه في النهب والاستهانة بالبشر والطاقات البشرية في العالمين العربي والإسلامي خصوصا. ويدخل في هذا المجال اغتيال العلماء والأكاديميين وحرمان الشعوب من ثرواتها البشرية الحقيقية وطاقاتها الخلاقة القادرة على المنافسة والابتكار والتقدم. وهي حالات معروفة. ولكن ما لا يسمح به تكرارها وعدم الاتعاظ منها. وهنا مسؤولية كبرى على من يهمه الأمر. لابد من الإدانة المستمرة والكشف المتواصل وعدم الصمت.
هذه الجرائم بعض أفعالهم॥ كفى ॥ لابد من محاكمتها وإدانتها ووقف إنتاجها، مهما كانت التبريرات لها ولغيرها।

10 يناير, 2012

انتهاكات مستمرة وادعاءات مخادعة

مازال كثير من الحكومات الغربية، وحاليا أكثرها من أحزاب اليمين ويمين الوسط السياسي، تتشدق بالحريات العامة وحقوق الإنسان وتعلن مراوغة تمسكها بالقيم والأخلاق وغيرها من الشعارات البراقة التي أثبتت الوقائع والفظائع والفضائح حقيقتها وعرت مصداقية تلك الحكومات واعتباراتها وادعاءاتها المخادعة. وكل مرة تتكشف أمام الجميع حقائق وقصص مروعة عن انتهاكات وارتكابات فظيعة ارتكبتها وترتكبها قوات الغزو والاحتلال الغربية للبلدان والشعوب العربية والإسلامية خصوصا. وكالعادة تبدأ تلك الحكومات بالإنكار لها ومن ثم تدخلها في دوامة النقاشات واللجان والاجتماعات حتى تبهتها أولا ومن ثم تبعدها عن الأثر المباشر لها وتداعياتها الأخلاقية والقانونية والسياسية ثانيا، وصولا إلى وضعها في موازين القوى السياسية وأحيانا في تحميل غيرها مسؤوليتها تهربا منها أو تجنبا لمفاعيلها الإنسانية الجارحة.
نشرت بعض وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية، في أحايين متفرقة، بعض تلك الصور، من أمثال صور سجن ابوغريب في العراق، وسجن باغرام في أفغانستان إلى السجن الأمريكي الذي أصبح علامة بارزة للولايات المتحدة الامريكية، سجن غوانتانامو، بديلا واقعيا عن نصب الحرية الذي تفتخر به الإدارات الامريكية، إلى السجون العائمة في البواخر والسفن الغربية إلى السجون السرية الموزعة في العديد من البلدان الحليفة والتابعة لسياسات الولايات المتحدة الامريكية والمنفذة لها بأشد وأصعب من توجيهاتها. وفي كل هذه السجون جرت انتهاكات منظمة وفضحت ادعاءات مخادعة بكل المعاني وفقدت حكومات الدول التي مارستها مصداقيتها وأحكامها التي تحاول ترويجها واتهام غيرها بها، أو الادعاء على غيرها بمثل ما قامت به. ولم يزل العديد من المرتكبين لتلك الجرائم طليقي السراح ويتمتعون بحمايات منوعة من قبل تلك الحكومات الغربية، التي توظف المحكمة الجنائية والقانون الدولي لاتهام أشخاص آخرين وتتشدد بالأحكام والإجراءات ضد آخرين غيرهم بعيدين عن بلدانها بينما تترك المرتكبين في بلدانها دون محاكمة عادلة وتسعى لمساعدتهم للإفلات من الجزاء العادل بحقهم على ما ارتكبوه مباشرة أو بقرارات منهم بحكم مسؤوليتهم الإدارية والسياسية والأخلاقية وغيرها. وتضيّع في ممارساتها تلك بين حجم الجرائم والارتكابات وبين محاكمتها والعدالة الإنسانية والقانون الدولي والإنساني.
كشفت وثائق ويكيليكس بعض هذه القصص الكارثية ولاسيما المثبتة بالفيديو، صورة وصوتا واسما، وأعطت بعض الوثائق صورة موثقة عن المسؤولين عنها والدوائر التي قامت بها، وهي غيض من فيض من تاريخ اسود لقوى الاحتلال والغزو والتعذيب والانتهاك المنظم في العالمين العربي والإسلامي.
وقد تكون قصة الضحية العراقية بهاء موسى واحدة من قصص جرائم الحرب والقتل العمد والتعذيب، ونموذجا بسيطا وواضحا لسلسلة من الانتهاكات التي اقترفتها قوات الاحتلال الامريكية والبريطانية وغيرها في العراق. كما أنها تعبر ببساطة كاملة عن العديد من أمثالها التي أثبتت في وثائق أو صور أو برهن عليها من خلال ضحاياها وشكواهم العامة. وقد يكون بعض الفضل في الكثير من الكشوف لمثل هذه الجرائم لوسائل الإعلام وبعض المنظمات التي تدافع عن حقوق الإنسان أو تحمل تلك التسمية وترفع تلك القضايا وتنشرها للعالم. وبعض الأحيان من جهل مرتكبيها واعترافاتهم المنشورة، سواء في مذكراتهم أو في تصريحات معلنة وموثقة.
سرد قصة بهاء موسى والتحقيقات التي تمت بشأنها تعطي دلالات ومشاهد عن سير القضية ومثالا يفضح عمليات التضليل والتمويه، حتى في مثل هذه القضية الصارخة في الوضوح. لقد استمر التحقيق فيها 3 سنوات، انتهى التقرير إلى أن الضحية بهاء موسى ، وهو موظف استقبال في فندق في مدينة البصرة العراقية، مات رهن احتجاز الفرقة الأولى من الفوج البريطاني المعروف باسم كوين لانكشاير في عام 2003. كان قد تعرض للضرب المتكرر وعومل معاملة لا إنسانية ومهينة شملت أعمالا مثل "تغطية الرأس" وإجباره على اتخاذ أوضاع مجهدة، وهي الممارسات التي قالت عنها الحكومة البريطانية عام 1972 إنها لن تستخدمها ثانية أبداً. انتهى فحص الطب الجنائي لإصابته بـ 93 جرحا، منها كسر في الأنف وكسور في الضلوع. أدان التقرير عدم ملائمة إجراءات الاحتجاز، وإخفاقات القيادة وضعف التدريب وعدم الالتزام بقواعد الانضباط ونقص "الشجاعة الأدبية" لدى الجنود الذين لم يبلغوا عن وقوع الانتهاكات.
كانت منظمة هيومن رايتس ووتش الامريكية قد اهتمت بهذه النتائج وسجل كلايف بالدوين، مستشار قانوني أول في المنظمة ما يلي: "قضية بهاء موسى هي الأشهر، لكنها واحدة من عدة قضايا، ويظهر منها وقوع انتهاكات جسيمة في مركز احتجاز بريطاني في العراق. على الحكومة أن تضمن مثول جميع المحتجزين من الآن فصاعدا أمام القضاة مع محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وجرائم حرب ومثولهم أمام القضاء بغض النظر عن مناصبهم". جاء هذا بعد ان عرفت المنظمة إن نتائج التحقيق في وفاة موسى الذي احتجزه جنود بريطانيون عام 2003 – وهي النتائج التي ظهرت في 8 سبتمبر/أيلول 2011 – واعتبرتها فرصة للحكومة البريطانية كي تبدأ في إصلاح نظام احتجازها العسكري ونظامها القضائي. وذكرت هيومن رايتس ووتش إن على الحكومة البريطانية أن تضمن محاسبة المسؤولين عن هذه الواقعة، مع ضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات مرة أخرى. ونشرت وكالات الأنباء حينها توصيات التحقيق الأساسية التي جاءت بعد تلك الفضائح، والتي شملت حظرا شاملا وتاما لأعمال تغطية الرأس والأوضاع المجهدة وغيرها من الأساليب المحظورة في عام 1972، وتفتيشا مستقلا على مراكز الاحتجاز العسكرية، ويُفضل أن يتم ذلك مع المشاركة الكاملة لهيئة تفتيش السجون المدنية البريطانية (هيئة صاحبة الجلالة لتفتيش السجون). وتخصيص ضابط واحد مسؤول عن الإشراف على السجون. كما يتم تحسين نظام سجلات الاحتجاز والسجن.
كل هذه النتائج والانتهاكات وصمة عار في السياسات الغربية وادعاءاتها الكاذبة عن حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية.. وعسى ان تكون هذه شهادات كافية لإدانتها ومحاكمتها أيضا.

05 يناير, 2012

كلفة الاحتلال الباهظة عراقيا

لم ينته الاحتلال الأمريكي للعراق بعد. انسحبت قواته العسكرية من الأراضي العراقية فقط، لتتجمع في جواره، حيث تنتشر قواعدها، في الجنوب والشمال، وتوزع مقراتها في قواعد اخرى مزروعة في إنحاء المنطقة. ومع الانسحاب العسكري كثر الحديث عن كلفته المادية والبشرية من طرف قوات الغزو والاحتلال، واعتبر في بعض وسائل الإعلام المغردة له ثمنا باهظا، بينما لم يجر الحديث عن الثمن الباهظ الذي دفعه الشعب العراقي، بشريا وماديا أيضا. وهنا لابد من السؤال أو الأسئلة عن المسؤولية المباشرة عنه، وما هو المطلوب قانونيا وأخلاقيا التعامل به في مثل هذه الممارسات؟!. وهذا أمر يتطلب العمل عليه وتشكيل مؤسسات ترعاه وتسهر عليه وصولا إلى الحقيقة والعدالة والوفاء للدماء التي سفكت ودرسا للإدارات الغازية والقوى السياسية المعجبة بها والمحجبة عن آثار الدمار والخراب من نتائج أفعالها الإجرامية.
لقد فتحت أبواب الحدود العراقية لخروج القوات المحتلة بهدوء تام وأدخلت منها أو خلفتها وراءها ما خططت له تلك القوات وإداراتها للعراق، ليدخل بعدها في أنفاق معتمة تزيد أو تضيف قوائم اخرى لأعداد الخسائر البشرية والمادية العراقية. وهو ما حصل فعلا في التفجيرات المستمرة وضحاياها الأبرياء. هل شلالات الدم العراقي مكتوب ان تستمر بوجود قوات الاحتلال أو بخروجها؟ والى متى تستمر آلة حفرها وأدوات تنفيذها في المشهد العراقي؟!.
تقول وسائل إعلام أمريكية ان سوء إدارة الحرب والاحتلال سببت تلك الخسائر وغيرت نظرة العراقيين والرأي العام عموما لما حدث في العراق بعد 2003، وبدلا من استثماره تحول إلى غضب عام ضده. وبعد ان تكشفت طبيعته عبر كل تلك الانتهاكات الصارخة لأبسط الحقوق والقتل العام والعشوائي وحملات الإبادة والتدمير والفضائح والفظائع الكثيرة التي لم تتمكن الادارة الامريكية وكل قدراتها الأخرى تغطيتها أو التستر عليها أصبح تحملها صعبا ولا يمكن ان يقبل الشعب العراقي استمرارها، رغم كل ما لدى الاحتلال من وسائل يتلاعب فيها وينظم مصالحه عبرها. ورغم ذلك فان ما بعد الانسحاب استمرار لتلك الصور الفاجعة من الاختلال والاحتلال وهو المسؤول الرئيس عنها، ولو أنجزت بأدوات اخرى.
ما نشرته وكالات الأبناء بعد الانسحاب الأمريكي العسكري عن الكلف والأثمان الباهظة يعطي صورة ما عن الوقائع المخفية. ورغم ان اغلبها غير دقيق وتقريبي بنفس القدر الذي تحاول أجهزة البروباغندا الامريكية إخراجه إلى العلن. ومع ذلك فان نظرة عليه تفضح حجم الخسائر البشرية وما ابتلى به الشعب العراقي من خلال الغزو والاحتلال. فمثلا وزعت وكالة رويترز تقريرها ونشرته اغلب وسائل الإعلام كما وردها، لاسيما العربية، دون تمحيص فعلي وتساؤل موضوعي عنها. ورد فيه ان تقدير خسائر الجيش العراقي خلال الغزو كانت عشرة آلاف ومائة وخمس وعشرين ضحية. بينما سقط من المدنيين ضحايا حسب ما نقلته عن موقع الكتروني يتابع الضحايا من خلال تقارير إعلامية، ويحمل اسم: www.Iraqbodycount.org ما بين 103536 و113125، وعدد قتلى الحرب وفقا لأرقام الحكومة العراقية خلال (2004 - 2011 حتى نهاية تشرين الأول /أكتوبر):61921. وإجمالي عدد المصابين (2004 - 2010): 159710 . ولاحظت الوكالة ان الأرقام من الموقع الالكتروني المذكور، الذي يديره أكاديميون ونشطاء سلام ويعتمد على تقارير من مصدرين إعلاميين على الأقل، ان تقديرات الأرقام أقل من العدد الحقيقي للخسائر البشرية. وقد يضيف التحليل الكامل لسجلات حرب العراق التي نشرها موقع ويكيليكس 15 ألف قتيل مدني. وكذلك بدأت الحكومة العراقية جمع الإحصاءات المتصلة بالحرب عام 2004. والأرقام التي جمعتها وزارات الصحة والداخلية والدفاع تشمل المدنيين وقوات الأمن. والأرقام تفضح مصداقية وشفافية من ينشرها ويعدها، وهي وحدها تنطق بتناقضاتها.
وكالة الأنباء الفرنسية في تقريرها رأت أن كلفة الحرب في العراق باهظة. وأشارت إلى انه منذ الاجتياح الأميركي للعراق في آذار/ مارس 2003، سقط ما لا يقل عن 126 ألف مدني عراقي قتلى لأسباب مباشرة مرتبطة "بالنزاع" (!)، بحسب نيتا كراوفورد البروفسور في جامعة بوسطن. يضاف إلى ذلك 20 ألف جندي وشرطي عراقي وأكثر من 19 ألفا من "المتمردين"، (هكذا). ونقلت أيضا من الموقع المذكور للمنظمة البريطانية أرقام الخسائر البشرية منذ 2003. وأشارت إلى لجوء نحو 1,75 مليون عراقي إلى البلدان المجاورة أو نزحوا في داخل البلاد بحسب الأمم المتحدة. وفصلت في الكلفة المالية ومخصصات البنتاغون، للمصابين من الجنود الأمريكان أثناء الغزو والاحتلال، والتي قدرت بثلاثة ترليونات دولار، وقائمة الحسابات مفتوحة لحجم الخسائر في هذا المجال وأعداد الذين خدموا في حروب الغزو والاحتلال.
مهما حاولت هذه المؤسسات وغيرها من تقديم أرقام فأنها لا تعطي الحقيقة ولا تعوض خسارتها. ولعل ما ذكرته صحيفة (الغارديان 19/12/2011) فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الامريكية يكشف العقل السياسي الأمريكي وفهمه لضحايا حروب قياداته، حيث سجلت ان أهم عنصر لتشكيل الرأي الأميركي بشأن أي حرب هو ما إذا كانت أميركا تعتقد أنها ستنتصر. هناك من يدرك ان الحرب في فيتنام كانت عملا خاطئا ليس لان دولة مستقلة تعرضت للغزو والتدمير وقتل الملايين من أبنائها وتعذيب الآلاف. بل كانت كذلك لان الولايات المتحدة خسرت تلك الحرب. وانطبق هذا على الطيف السياسي كله. ذلك انه حتى عندما يتعرض منتقدو الحرب إلى الدماء والأموال التي هدرت، فأنهم يشيرون في العادة إلى حياة الأميركيين وأموالهم لا غير. وهو ما تعلنه استطلاعات الرأي وأسئلتها. في استطلاع أجرته محطة "سي بي إس" اخيرا تساءلت "هل تظن ان نتيجة الحرب في العراق كانت تستحق خسارة أرواح الأميركيين والتكاليف الأخرى لمهاجمة العراق، أم لا؟" (67 في المائة لا، 24 في المائة نعم). غير ان التكلفة التي تحملها العراقيون لا مكان لها، لا في الأسئلة ولا في ماكينة الإعلام ولا في السياسات العلنية والسرية. فهل يحمل العام الجديد السؤال العراقي عن كلفة الاحتلال الباهظة الحقيقية؟.

03 يناير, 2012

حرائق الكتب

كثيرة هي حرائق الكتب في التاريخ.. كثيرة هي الكتب التي احترقت.. كثيرة هي الأسباب وراء الحرائق، أو التبريرات لها في أكثر الأحيان بالأحرى.. وبقدر المبررات لا تحسب العواقب، أو تغيب عن البصر والتبصر.. ولكن المؤكد ان مَن وراءها هو عدو الكتب، بكل ما تعنيه الكلمة وما تدل عليه. والأبرز فيه، من تجارب التاريخ وعبره، هم المستعمرون والمحتلون وأعوانهم وأذيالهم ومن يركب سياساتهم ويبذل جهوده متفاخرا في خدمتهم، حتى ولو بعد حين.. وليست بعيدة صور حرائق الكتب والوثائق في بغداد حين اجتاحها الغزاة الجدد. المستعمرون الأمريكان والبريطانيون ومن تعاون معهم ودفع لهم المال والرجال للقيام بعمليات الحرق والتدمير للكتب والوثائق وانتاجات الإبداع البشري. حيث يصح هنا السؤال: لماذا يكرهون الكتب؟ ويصبّون حقدهم عليها؟ ويحرقونها؟!.
ما حصل للمجمع العلمي في القاهرة مؤخرا.. أمر محزن.. كارثي.. لا يمكن تحمله ووضعه في صفحات ومسار التغييرات الجارية في مصر.. لا يمكن ان يكون ما جرى للمجمع العلمي من حرائق مقبولا .. ورغم التناقض في سيرته التاريخية، حيث بني بأمر من نابليون بونابرت وبعثته العلمية إلا انه ظل شاهدا مصريا بعد تشييده. المجمع العلمي وما يحويه أنشئ في القاهرة سنة 1798، وكان مقره في دار واحد من البكوات المماليك في القاهرة، وانتقل إلى الإسكندرية عام 1859، وبقي اسمه "المجمع العلمي المصري"، وعاد إلى المبنى الحالي بالقاهرة عام 1880. ويهدف المجمع إلى العمل على تقدم‭ ‬مصر‭ ‬العلمي‭ ‬ونشر‭ ‬العلم‭ ‬والمعرفة،‭ ‬وبه‭ ‬مكتبة‭ ‬تحوي‭ ‬نحو‭ ‬40‭ ‬ألف‭ ‬كتاب،‭ ‬وينشر‭ ‬مجلة‭ ‬سنوية‭ ‬ومطبوعات‭ ‬خاصة‭.‬
نقلت وسائل الإعلام عن محمد الشرنوبي أمين عام المجمع العلمي المصري أن الحريق الذي شب في مبنى المجمع المجاور لمقر رئاسة الوزراء نتيجة إلقاء زجاجات المولوتوف أتلف كل محتوياته تماما التي تمثل تراث مصر القديم. وأن كل المؤلفات والمقتنيات منذ عام 1798 حتى اليوم أتلفت تماما جراء الحريق، مضيفا أن هذا المبنى الأثري يضم حوالي 200 ألف كتاب، وأن احتراق هذا المبنى العريق بهذا الشكل يعني أن جزءا كبيرا من تاريخ مصر انتهى مشددا على ضرورة الكشف عن المسؤولين عن هذا الحريق.
كل هذه المقتنيات والآثار والمخطوطات النفيسة، التاريخية والعلمية، هي تراث إنساني أيضا، وليس مصريا أو عربيا وحسب، أي ان ما حصل في المجمع لا يهم مكانه ومحتوياته وحسب، بل والتراث والحضارة الإنسانية بكل تأكيد.. فكيف تتم مثل هذه الخسارة الكبيرة.. وكيف تمر مثل هذه الحرائق؟!!.
ليس الكتب وحدها احترقت في القاهرة في تلك الأحداث. لقد اختلط الدم البشري مع مداد الورق، وكأنها شهادة مستمرة تعبر عن التواصل والتناسق الإنساني بين الفكر والعقل والورق والتراث والتاريخ البشري. مشاهد توثق الجرائم المتعددة للحدث الجلل. نكبة اخرى للثورة والثوار في مصر.. خسارة جسيمة للتاريخ المصري والإنساني. المخطوطات النادرة والكتب الأولى والوحيدة التي كنزها هذا المتحف العلمي في القاهرة ضاعت بطرفة عين وأمام العيون التي تدعي أنها ساهرة على الأمن والأمان في البلاد والعباد. إنها مسؤولية كبيرة ولابد من تحميلها لمن سبب ومن صمت ومن تفرج على هذه النكبة الجديدة. صور المشاهد التي بثت عبر وسائل الإعلام الحديثة وانتشرت في أركان المعمورة عن المجمع والشوارع المحيطة به وميدان التحرير فضيحة بلا جلاجل، كما يقول المصريون لكل المسؤولين أو من يتحملونها اليوم في مصر.
ما احترق من المخطوطات النادرة من الصعب إعادته كما هو الإنسان الذي فقد حياته برصاص القتلة وبأوامر من يتستر وراؤهم أو بظلهم ويتنكر كما اعتاد أسلافه.
حرائق الكتب ليست جديدة والاهم إلا تتكرر وان يحاسب عليها مرتكبوها علانية وبلا تردد أو صمت آخر. ولتتعاون كل الجهود والطاقات لإعادة بناء المجمع وحفظ التراث فيه بالوسائل الجديدة وصيانتها بكل الطرق العلمية واحترام الكنوز الإنسانية.