الأحد، 1 يوليو 2007

جدار عزل وفصل عنصري وعقاب جماعي

الجمعة23/3/2007
لا جديد تكشفه تقارير الأمم المتحدة عن الكيان الصهيوني، فكلها تواصل وصف طبيعته وأسس كينونته، وتعيد ما اتفقت عليه قراراتها السابقة ومناقشاتها المطولة، سواء في دورات جمعيتها العامة او في مجلس امنها، وحتي في منظماتها الفرعية والاقليمية، والمنظمات الدولية الأخري. والغيت معظمها او أبهتت صورتها وتجنبت التأكيد عليها بزمن آخر، لاسيما حين تفاوتت موازين القوي الدولية وغاب المعسكران المتناحران ايديولوجيا، وضعفت أصوات الدول العربية والاسلامية وعدم الانحياز المشتركة معها في هذا الشأن، واستحكم اليمين الصهيوني المسيحي الامريكي علي الإدارة واغلب مجالس الامم المتحدة، وبرز اسم ممثلها جون بولتون في واجهة الأحداث الدولية، (أين اختفت صورته الآن؟) وهو الذي افتخر بأنه أنجز إلغاء قرار الامم المتحدة 3379 الذي وصف الحركة الصهيونية بالعنصرية، ورفع يده بقرارات الفيتو في أكثر من جلسة لحماية اعمال الحركة الصهيونية وعدوان كيانها السافر وممارساته المتواصلة المنتهكة للقانون الدولي والانساني والاتفاقيات الدولية المعترف بها والملزمة التطبيق من الإدانة وأحكام القانون. وها هي الآن تتجدد الصورة بتقرير جديد وليس بقرار، ومهما كان فإن ما يحصل علي الأرض بفلسطين المحتلة أبلغ من قرار وقانون وتقرير.
قدم المقرر الخاص للأمم المتحدة في شأن وضع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، جون دوغارد، تقريرا عن حقوق الإنسان في الضفة الغربية وقطاع غزة، بيّن فيه التشابه بين الاحتلال الصهيوني ونظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، من خلال تجربة بلاده وما عاشه شعبه ومشاهداته لما هو عليه واقع الحال بين الممارسات علي الأرض. وهو يتفق مع أغلب تقارير المنظمات الدولية المدافعة عن حقوق الانسان، كالعفو الدولية او مراقبة حقوق الانسان. وجاء في التقرير أن "التمييز الذي يمارس بحق الفلسطينيين يتجلي علي مستويات عديدة. ويبدو أن المعاهدة الدولية في شأن إلغاء جريمة الفصل العنصري عام 1973 تُنتهك من خلال ممارسات عديدة، أبرزها حرمان الفلسطينيين حرية التحرك". وأضاف دوغارد إن "الأسرة الدولية حددت ثلاثة أنظمة تتعارض مع حقوق الإنسان، هي الاستعمار والفصل العنصري والاحتلال الأجنبي. و(إسرائيل) تمارس بشكل واضح احتلالاً عسكرياً للأراضي الفلسطينية. وفي الوقت ذاته، فإن بعض مظاهر هذا الاحتلال تأخذ شكل الاستعمار والفصل العنصري المخالفين للقانون الدولي".
المحامي الجنوب أفريقي جون دوغارد رسم صورة قاتمة عن وضع حقوق الإنسان، معتبراً أن إغلاق إسرائيل للضفة الغربية هو "نوع من العقاب الجماعي"، وأن "لجوء (إسرائيل) من دون تمييز الي القوة العسكرية بحق المدنيين والأهداف المدنية أدي الي ارتكاب جرائم حرب خطيرة". وأشار أيضاً إلي ارتكاب "انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان" في الضفة الغربية وإلي أنّ الجدار الفاصل الذي بنته (إسرائيل) يهدف الي "تهويد القدس من خلال الحد من عدد الفلسطينيين" الذين يقيمون فيها. هذه الصورة هل تغيرت في قرارات الامم المتحدة؟ وهل تدفعها الي تبني محتوياتها وتطبق ميثاقها واتفاقياتها الدولية بشأنها، وتضع فعلا مصداقيتها القانونية والاخلاقية موضع التطبيق وتقدم نموذجا حقيقيا للعدالة الانسانية وبرهانا حقيقيا لديباجتها الاساسية.
كتب دوغارد إن الإجراءات المتخذة في الضفة الغربية، ولا سيما تقسيمها إلي ثلاثة أجزاء، تُشابه إلي حد كبير نظام الابرتهايد، الفصل العنصري، الذي كان معمولاً به في جنوب أفريقيا. ورفض حجج الكيان بأن ما تسميه الجدار الأمني أُقيم لأغراض أمنية، ورأي أنّ الجدار ونقاط التفتيش "تهدف بشكل رئيسي إلي تقديم سلامة وراحة المستوطنين علي أي شيء آخر". وقال "إن غزة أصبحت بعد الانسحاب الإسرائيلي منها منطقة مغلقة وسجينة وأرضاً محتلة".
هذا التوصيف الخطير لو كان علي بلد آخر لشنت الولايات المتحدة الامريكية وادارة رئيسها الحالي بوش ومن يتحالف معه اوروبيا الحرب عليه، إلا ان الكيان الاسرائيلي محصن من ذلك، كاشفة التحالف العضوي بينهما، ومعطية بوضوح خطره الاستراتيجي علي المنطقة، كقاعدة استراتيجية لمخططات الامبراطورية الامريكية فيها.
وقد يكون من النوافل ذكر ان لجنة الأمم المتحدة للقضاء علي التمييز العنصري في جنيف أعربت عن قلقها علي وضع فلسطينيي 48 والأراضي المحتلة، بعد هذا التقرير وغيره، حين درستها او أخذت علما بها. وأبدي مقرر اللجنة مورتن كياروم قلقه من "معلومات تقول إن أعمال العنف وتدمير ممتلكات الفلسطينيين التي يقوم بها المستوطنون الإسرائيليون نادراً ما تكون موضع تحقيق". وأبدي قلقه ايضا من "القيود القاسية المفروضة علي تنقّل الفلسطينيين" وعلي معاناة الفلسطينيين من عمليات تدمير المنازل بشكل تعسفي".
أليس هذا الأمر مدعاة غضب دولي؟ دعك عن عربي او اسلامي؟!.
المقارنة بين الحالات التي تعقد من اجلها الامم المتحدة، ومجلس امنها، جلسات خاصة ومتوالية لمناقشتها واصدار قرارات تحت البند السابع فيها، قد لا تنفع كثيرا هنا، ولكنها توضح من جانب آخر كيف تتعاطي او تسير الأمور في المعالجات لما هو أقل شأنا عما حواه التقرير المذكور وغيره من التقارير، حتي تلك التي تصدرها منظمات من داخل الكيان نفسه، مثل (بتسليم) التي كشفت مؤخرا بتقرير لها تحت عنوان: "ماوراء الحدود القانونية" انه "لم يتم فرض أية عقوبة علي عناصر الجيش والشرطة الإسرائيلية في غالبية الحالات التي مسّوا بها بحقوق الإنسان والتنكيل بالفلسطينيين". وأفاد التقرير بأن عدم تقديم مرتكبي هذه المخالفات للمحاكمة يعود الي أن تحقيقات الشرطة لا تؤدي إلي تقديم لائحة اتهام أو فرض عقوبة ملموسة تجاه عناصر الشرطة والجيش، وأن الفلسطينيين الذين تعرضوا للتنكيل لا يقدمون شكاوي ضد العناصر التي ارتكبت هذه الأعمال. وأرجع التقرير سبب ذلك الي أن الفلسطينيين لا يثقون بسلطات الكيان الإسرائيلي، وبالتالي فإنهم يرون أنه لا جدوي من تقديم شكوي، علاوة علي الخشية من أن عملية تقديم الشكوي قد تعرّضهم إلي المزيد من التنكيل.
أليست هذه الممارسات تتميز، اضافة الي بناء الجدار، وضرب عرض الحائط، القرارات الدولية بشأنه، بالفصل العنصري والعقاب الجماعي، من هذه الزاوية الحقوقية الانسانية وتقارير المنظمات الانسانية، دعك عن الحصار الشامل والإغلاق والقتل والتجريف والمحاصرة والقصف والانتهاكات الصارخة الأخري أمام انظار العالم وسمعه واخباره؟. فعن أية قوانين وقرارات ستتحدث الامم المتحدة واسيادها بعد؟. هذه التقارير تواصل فضح الجريمة، والتي لها مثيلاتها الآن في أكثر من مكان، تمارس فيه قوات الاحتلال ما توصف فيه بكل الأعراف والقوانين بالجرائم المستنكرة. احفظوا محتويات هذا التقرير، فهو نموذج متكرر وستقرأون مثله عن بلدان أخري؟