الأحد، 1 يوليو 2007

جحيم العراق

السبت17/3/2007
انتهت اربع سنوات علي احتلال العراق علنا، ومازال التضليل سيد الموقف، بدءا من قرارات مجلس الامن التي صدرت بأمر امريكي بريطاني لتحويل قوات الاحتلال الرسمي الي قوات دولية تؤدي مهمات الاحتلال وتقوم بحماية مشروعه الامبراطوري وبناء قاعدته الاستراتيجية الثانية في المنطقة، بالقوة العسكرية والرضا الرسمي، وبحجج او ادعاءات مراوغة، كما نفذت بالحسابات التي وضعتها لجان التخطيط المركزية للاحتلال. وليس انتهاء بما توالت، او صحبتها من جهة اخري، اعترافات الرئيس الامريكي بوش الثاني ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، بعد مسلسل وزرائهما وقادتهما العسكريين، بارتكاب اخطاء وفضائح (أقرا جرائم حرب وعقاب جماعي وابادة بشرية، والامثلة كثيرة ولا تحتاج الي برهان)، وبقتامة الوضع الامني والعام بالعراق منذ الغزو والاحتلال واستشراء الفوضي والفساد والخراب الشامل فيه علي كل المستويات. ورغم هذه الاعترافات ومن هذه المستويات تم الاعلان عن سحب بعض القوات من قبل حلفاء الادارة الامريكية، وزيادة عديد القوات الامريكية، وضغوطها العسكرية والسياسية علي الدول المجاورة للعراق، الحليفة لها سلفا، والموضوعة في محاور شرها ومعاداتها رسميا، بعقد مؤتمر بغداد الذي تحقق دون اصدار بيان ختامي عنه والذي اشار له اكثر من مصدر رسمي من كل الاطراف علي انه تعبير عن فشل السياسة الامريكية والادارة التي تتحكم بمجرياتها، وانه محاولة من جانب آخر لإقرار استراتيجية الاحتلال بشكل ملتو ومواز لاعتراف رسمي من قبل الاطراف المشتركة فيه علي اساس الامر الواقع، كما يحلو للبعض من المشتركين او الممولين للاحتلال والغزو والعدوان التصريح به، ردا علي الجحيم العراقي المستعر.
ماذا يعني انسحاب عدة مئات من قوات الحلفاء وارسال عدة آلاف من القوات الامريكية بدائل عنها؟ وماذا تريد ادارة الاحتلال التعبير عنه، وبماذا تفسر التسريبات عن مهل زمنية وانذارات عسكرية تنشرها وسائل الاعلام الامريكية عن خطط بديلة ومشاريع سياسية اضافية وتوزيع تعليمات جديدة للقائد العسكري الجديد الذي استلم مهامه لحكم العراق عسكريا؟. واي هدف مباشر تعلنه ادارة الاحتلال بعد مؤتمر بغداد وارضاء اطراف اخري لمؤتمرات متتالية، وزيارات سرية وعلنية لعواصم المنطقة، قبيل اجتماع قمة الدول العربية في نهاية مارس في المملكة العربية السعودية، لأول مرة، وبخرق لقاعدة فرضتها السعودية بنفسها علي مكان اقامة القمة؟.
استعادة سريعة لحرب التضليل والخداع التي مارستها الادارة الامريكية والبريطانية للغزو تضيء الاجابة علي الكثير من الاسئلة السابقة وغيرها وتعطي ادلة واضحة لمسارات ما تعمل عليه استراتيجية الغزو والاحتلال الامبراطورية الصهيو امريكية للعالم منطلقا من المنطقة العربية والعالم الاسلامي. لقد شنت الحرب اساسا علي مخططات غزو وتوسع امبراطوري للهيمنة علي منابع الطاقة والتحكم بمصائرها واستخدام كل الوسائل الوحشية لانجازها، وفرض السيطرة عليها بالقوة والعنف والتدمير وبغيرها من الوسائل المعروفة بها الادارات الاستعمارية تاريخيا. وقد تكون الادارة الامريكية اكثرها جرائم مثبتة في استخدامها الاسلحة القذرة والنووية في اليابان وفيتنام وكوريا والسلفادور وغيرها.
لعل عمل المشرع الديمقراطي هنري واكسمان في مارس 2004، مؤشر ونموذج لتلك الحقبة من التحضير والأعداد التي بنيت عليها النتائج الحاصلة الآن، كما نشر في موقع امريكي لتقارير امريكية. حيث وضع فيه قائمة بالتضليل والأكاذيب التي ادارتها إدارة بوش من أجل تسهيل غزو واحتلال العراق. فحصر عمله بما صدر عن خمسة مسؤولين رئيسيين، هم الرئيس بوش الثاني ونائبه ديك تشيني ووزيراه دونالد رامسفيلد، وكولن باول، ومستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس، (في تلك الفترة) خلال 40 خطاباً و26 مؤتمراً صحافياً و53 مقابلة وأربعة تصاريح مكتوبة وتصريحين أمام الكونغرس. حيث احصي 273 تضليلا، غالبيتها عن قضايا لم يكن أي شيء منها صحيحاً، أو لم تذكر شكوك الأجهزة المخابراتية ونتائج تقارير لجان التحقيق فيها. وأفاد بأن التحضير لهذه الجريمة كان قبل وقوعها بأكثر من عام، علي الصعيد الاعلامي العلني، وبأن: أوّل التصاريح تمّ الإدلاء بها قبل عامٍ علي الأقل من بدء غزو العراق، عندما صرّح نائب الرئيس تشيني في 17 مارس 2002 بما يلي: نحن نعلم بأن لديهم أسلحة كيميائية وجرثومية . واستمرّت التصاريح المُضلّلة للإدارة حتي 22 يناير 2004، عندما أصر تشيني علي: الإثباتات الدامغة علي العلاقة بين القاعدة والحكومة العراقية . وقد صدرت غالبيّة هذه التصاريح، 161 قبل الحرب. لكن 76 منها صدرت عن المسؤولين الخمسة الذين سبق ذكرهم، بعد اندلاع الحرب، من أجل تبرير القرار الذي تمّ اتخاذه. إن فترة الثلاثين يوماً، التي تمّ خلالها الإدلاء بالعدد الأكبر من الاقوال المُضلِّلة، هي الفترة التي سبقت تصويت الكونغرس في 10 و11 أكتوبر 2002 الذي سَمَحَ باللجوء إلي القوة، حسب المصطلحات الامريكية. بين 8 سبتمبر و8 أكتوبر، أدلي المسؤولون الخمسة ب64 تصريحاً مُضلِّلاً خلال 16 ظهوراً علنياً لهم. وخلال الشهرين اللذين سبقا بداية الحرب، بين 19 يناير و19 مارس 2003، أعطي المسؤولون الخمسة 48 تصريحاً مُضلِّلاً خلال 26 ظهوراً علنياً لهم. و يمكن تقسيم التصاريح ال273 المضلّلة هذه إلي أربع مجموعات: أدلي القادة الخمسة ب11 تصريحاً يدّعون فيها بأن العراق يشكّل تهديداً يجب معالجته فوراً، 81 منها ضخّم قدرات العراق النوويّة، 84 بالغتْ في تقدير ترسانته الكيميائية والبيولوجية، 61 منها عرضت، بشكلٍ غير صحيح، علاقاته بمنظمة القاعدة .
واذا اضفنا لهذه الأكاذيب ما قامت به الحكومة البريطانية ورئيس وزرائها توني بلير بنفسه فإن عددها سيزداد حتما الي الضعف، او اكثر، خلال تلك الفترة بالذات، وحصوله ايضا علي تصديق مجلس العموم البريطاني، وقصة الملف البريطاني والتهديد المباشر وب 45 دقيقة باتت اكثر من فضيحة، ومثلهما قام حلفاء الغزو والاحتلال بنفس تلك المهمات الوقحة والصارخة في دجلها لشعوبها والرأي العام العالمي. والتي كشفت بها وبما قامت به انها مارست اعمالا مُضلِّلة ومُخادعة في تلك الفترة وما تلاها، بما يكفي لمحاكمتها عليها وادانتها لما نتج من جرائها من كوارث انسانية ومآسٍ بشرية، لحقت بالشعوب والبلدان، ولتناقضها مع ما كانت ترفعه من شعارات وما تفعله ميدانيا وعمليا. كما بينت كم هي منافية لأبسط مفاهيم احترام الرأي العام الوطني والعام والديمقراطية وحقوق الانسان والحرية والعدالة والقانون الدولي والانساني؟!.
ان جحيم العراق له ثمنه، واذ يدفع الشعب العراقي وحده اليوم ذلك، فان الأيام القادمة ستكشف الكثير من ندم المخادعين والكذابين والمرابين والصامتين والشامتين، وستكون لعنته تاريخية!، رغم فوات الأوان وخراب العراق، وليست البصرة وحدها
.