السبت23/6/2007
حرب باردة جديدة، علي اعتاب اخري او غيرذلك من عناوين مشابهة، اخذت تقرأ وتسمع، في زمن تتباهي الادارة الامريكية بانتصاراتها علي جميع الصعد بما فيها الحرب الباردة. رد الوزير الامريكي روبرت غيتس علي تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في اجتماع ميونيخ الاخير (شباط / فبراير 2007) بأن حربا باردة واحدة تكفي، كما ذكر الرئيس الامريكي في اكثر من كلمة له مؤخرا بأن لا عودة لحرب باردة جديدة، وانه صديق لبوتين. (هكذا بلا القاب رسمية، وهذه سمة اخري له، تضاف الي زلات لسانه وتصرفاته الاخري التي بات لا يؤاخذ عليها ولا تعد حرجا دبلوماسيا). وتتضمن معظم التصريحات تهديدات اخري او تحذيرات مخادعة. إذاً الحرب الباردة تتكرر في الخطاب الرسمي العالمي، بمعان متعددة او برغبات مختلفة، ولكن وقائع الامور لا تجري بالاماني، كالرياح والسفن الشراعية.
هل بدأت حرب باردة الآن؟ متي ولماذا؟.
يستنتج من خطب الرئيس الروسي بوتين ان الدب القطبي استفاق من سباته، وانه استعاد بعض عافيته ويريد دورا له علي المعمورة. والا بماذا تفسر هذه التصريحات النارية كما اصطلحت عليها وسائل الاعلام؟. فهل هذا يعني انها بدأت فعلا علي مستوي الخطاب السياسي ولابد من متابعتها عمليا؟. منذ تسلمه الحكم بروسيا الاتحادية تزايدت المؤشرات العامة لقيام روسيا قطبا رافضا للهيمنة الامبراطورية الصهيو امريكية، وكانت كل تحركاته الداخلية والخارجية تصب في هذا الاتجاه. اعادة تنظيم منظومات الحكم ومؤسساته الادارية والاقتصادية والامنية وحتي السياسية، وزياراته للصين والهند، ولبلدان في العالم العربي، وحتي دول اوروبا القديمة ، وكذلك دول الاتحاد السوفييتي السابقة. وتطوير العلاقات بين هذه البلدان علي مختلف الصعد والمجالات، ومن بينها القضايا النووية لكوريا الشمالية وايران، كلها تفيد ببعد نظر استراتيجي واضح وخطط جديدة لاستعادة دور غائب ونهوض من انهيار مفروض.
الملاحظ في خطب بوتين بانها ليست كلاما عابرا في احتفالات رسمية بلا سند ومبرر، داخلي وخارجي. ولم تأت من فراغ او من روح انتقام لما حل وحصل ببلاده وبمنظمومته التي تحسر عليها في احدي خطبه وتذكراته عنها، ولا عن فكرة العودة لحروب جديدة، ساخنة او باردة، وانما وحسب اقواله ايضا اعادة بناء نظام دولي مستند للقانون والعدل والتعامل الانساني بين الدول والتكتلات الجغرافية والتاريخية علي الكرة الارضية دون استئثار وهيمنة فردية وقطب واحد وسيد واحد علي العالم. وهو مدرك لما يجري علي الارض من تغيرات بنوية وشاملة وتطورات واسعة وثورات في التقنية والاتصالات وامكانات العولمة المتعددة الاوجة والمجالات. ولا راد لها في ذلك الا باعادة بناء منظم وموجه وحر يحترم ما بناه الانسان وطورته طاقاته البشرية وحلم به علي هذه الارض. ومهما تمكنت الولايات المتحدة في دعم انهيار المنظمومة الاشتراكية وتفكيكها، وحلف وارشو وتوسيع حلفها الاطلسي (ولها اسبابها الاساسية الاخري طبعا) وتجاوز القانون الدولي والانساني وممارسة انتهاكات دولية صارخة واحتكار القرار الدولي او العمل عليه، فانها بذلك تستثير البني القومية والاجتماعية والاقتصادية الاخري التي كانت ندا لها ولقدراتها وتحتاج الي تذكيرها بها دائما كيلا تغتر كما هي الان وتفترض سيطرتها الكلية وفرض هيمنتها من جديد. فكان خطاب الرئيس الروسي في مؤتمر ميونيخ ( شباط / فبراير 2007) صريحا وبليغا في توضيح الصورة، اسمع الادارة الامريكية ما لم تتوقعه وما لم تحسب له حساباته وردت عليه مباشرة بما يعبر عن روح الغطرسة الامريكية.
اشار بوتين الي تجاوز الولايات المتحدة لحدودها الوطنية في كل المجالات . وحذر من أن استخدام القوة غير شرعي إلا علي اساس تفويض من الأمم المتحدة، وليس من حلف شمال الأطلسي أو الاتحاد الأوروبي.. . وإلا فإننا ذاهبون مباشرة إلي طريق مسدود، وسيكون ذلك خطيرا جدا . وهاجم بوتين مفهوم العالم احادي القطب الذي يشير الي الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمي الوحيدة وقال ان الاجراءات الامريكية في الخارج زادت الصراعات سوءا وأدت إلي مآسٍ إنسانية جديدة وخلقت مراكز جديدة للتوتر. وتساءل بوتين ما معني عالم احادي القطب؟.. أيا كانت الطريقة التي يتم بها تجميل هذا المصطلح فانه يعني مركز سلطة واحد ومركز قوة واحد وسيدا واحدا . وقال بوتين هذا لا يشترك في شيء مع الديمقراطية التي هي رأي الاغلبية الذي يأخذ في الاعتبار رأي الاقلية. لكن هؤلاء الناس الذين يعلموننا الديمقراطية لا يريدون ان يتعلموها انفسهم . وبالتالي فإن وجود قطب وحيد في العالم الحديث هو أمر غير مقبول وغير ممكن . وتقود هذه الاجراءات الي زعزعة الاستقرار والسلم والامن الدولي، وليست حربا باردة فقط
لا هجوم بوتين ولا تطمينات بوش عرقلت مخططات الادارة الامريكية. عمليا تهدد امريكا روسيا بمشروعها الجديد وتعمل عليه، لمحاصرتها وزرع اوروبا بقواعد صواريخ جديدة، اضافية للقواعد المنتشرة في كل المعمورة. تلوّح روسيا باخطار سباق تسلح جديد، لا يخدم توجهاتها بعد تجربتها السابقة ودروسها التي مازالت قيد الدرس والاستفادة. الادارة الامريكية ومجمعها العسكري مصران علي مشاريعهما. من هنا يفهم تصاعد المواقف الروسية في التصدي لها، وتاتي في سياقها استفاقة الدب، في تعبيرات بوتين عشية لقاء مجموعة الثمان وما تلاها. اصبحت التهديدات الامريكية علي ابواب موسكو، وقد يكون مقترح موسكو في المشاركة في اختيار مواقع اخري بادرة اخري لتغيير اتجاهات الخطر والمخططات واسلوبا روسيا للحد من تفاقم الاوضاع والعلاقات بينهما، او حلا توافقيا مسبقا ودرءا لتدهور شامل.
هدد الرئيس بوتين في مقابلة مع عدة وسائل اعلام غربية: اذا امتدت القدرات النووية الامريكية الي الاراضي الاوروبية فعلينا تحديد اهداف جديدة في اوروبا . واضاف: نريد اعادة توازن المنظومة الدفاعية بانظمة هجومية اكثر فعالية وندرك تماما ان هذا الامر سيعيد تحريك سباق التسلح لكننا لن نكون مسؤولين عنه . وازدادت الادانة الي حد وصف بوتين مشروع الدرع الامريكية ب برميل بارود في اوروبا يكرس الامبريالية الامريكية. وهذا ما يخشاه مسئولون اوروبيون واوساط واسعة من الرأي العام العالمي ايضا، وينبهون الي اتساع خطره وقلقهم من تداعياته الاخري علي العلاقات الدولية والبيئة والسلم معا.
رغم ما يحدث، ومهما يكن من تطورات وتفاهمات بين القيادات الامريكية والاوروبية والروسية فان نذر الحرب تجاوزت خطوطها المعتادة، واصبحت وقائع ملموسة ستزداد مع مرور الايام وفشل المشاريع الامبراطورية. وهنا تولد اسئلة: اين العالم العربي.. .هل استفاد من تجربته ولديه ما يكفيه من الامكانات والاوراق الفاعلة؟.
استفاق الدب القطبي، فمتي ينهض النسر العربي؟.