السبت30/6/2007
خرج توني بلير من رئاسة الحزب والحكومة البريطانية بلا دموع ولا قُبل، لا من قِبل جمهوره الذي رفعه قَبل عشر سنوات الي هذين المنصبين الرفيعين، ولا من زملائه الذين كلفهم بمواقعهم التي يحكمون بها، بل العكس هو الذي حصل وسيحصل، من الاقربين اليه في الحزب والسلطة، والابعدين عنه علي السواء، وحتي من بعض من حاول ان يكرمه فرد بالرفض والتشهير به علي الصفحات الاولي من الصحف، (خاصة تلك التي هاجمته وهاجمها بصراحة، وفي وسائل الاعلام الاخري، حيث يتميز الغرب، في مثل هذه المسائل عن غيره). من بينها هنا الرسالة التي نشرت علي صدر صحيفة الاندبندنت يوم (21/6/2007) والتي وجهها جوزيف كور، الذي عرف نفسه بانه ليس سياسيا ولا معلقا سياسيا ولا محافظا ولا كارها لحزب العمال، بل انه رجل أعمال وصاحب شركة بريطانية ناجحة للثياب الداخلية، اعلن رفضه لقبا شرفيا منحته الحكومة البريطانية بتوقيع رئيس الحكومة توني بلير، وبيّن السبب في كلمتين، هما: توني بلير. وشرح انه صوّت له عام 1997 وممتن من الاجراءات الاقتصادية ولكنه يعترض علي سياساته بالعراق وأفغانستان وعلي تبعيته للرئيس الامريكي جورج بوش الثاني. وقد اعتبر كور أن قبوله يجعل منه شريكا في نظام توني بلير الذي يصفه ب الفاسد وهو ما لا يطيقه، مشيراً إلي نتائج غزو العراق بقوله: إن ما يجري في العراق الآن مأساة إنسانية ويمثل الفضيحة الأكبر في العصر الحديث . ووصف بلير بالمنافق عند ما برر الغزو بدوافع أخلاقية بينما الدافع الحقيقي هو المصالح الاقتصادية مفيدا بانه يمكن أن يحترم وجهة نظر بلير لو انه اعترف بان ذهابه إلي الحرب لأسباب اقتصادية، واختتم: لا يمكنني قبول التكريم من شخص غير صادق، وتوني بلير رجل غير صادق . هذه كلمات مواطن بريطاني هزته مشاعره الانسانية، (ومن الذين تهمهم سمعة شعبهم وبلادهم ومصير تضحياتهم)، تصدرت الصحيفة وغيرها وامثالها من وسائل الاعلام واستطلاعات الرأي العام، وتكاد تختصر تركة بلير الثقيلة في أعم مآسيها.
صحيفة الاندبندنت في نشرها قد يتوافق ونهجها في معارضة سياسات بلير وقد يكون انتقاده لها رأيا آخر فيها، اي ضمن المقبول اعلاميا وسياسيا وديمقراطيا، اما المقصود منها هو ما تعنيه وتستهدفه، وبالتالي تظل كلمات معبرة بكل ما يمكن قوله عن صرخة ضمير انساني، مثلها مثل صرخات امهات الجنود القتلي واصوات الاحتجاج والتظاهر المتواصلة ضد الاحتلال وبقاء الجيش هناك واضواء شموع الاجتماعات الحاشدة عند مقر الحكومة والبرلمان، ومسيرات مئات الاف المتظاهرين الرافضين للحرب.
ضمن هذا السياق قد يكون مدهشا ما يعبر بلير عنه من مواقف معروفة، في دفاعه عن سياساته وتحالفاته وتهربه من تحمل تبعاتها القانونية، رغم ادعائه بانه انسان ويتحمل وزر قراراته ونتائجها المأساوية. في معرض رده علي أسئلة في آخر ظهور له أمام لجنة الارتباط المكونة من رؤساء اللجان البرلمانية يوم 18/6/2007 قال: بالطبع أتحمل مسؤولية ما حدث وأي شخص أرسل أناساً في عمليات خارجية ولا يشعر بثقل هذه المسئولية، خصوصا عندما تتعرض قواتنا للقتل، ليس إنساناً وأنا إنسان . فهل يطبق ذلك عمليا؟ ويحاسب نفسه علي التضحيات الجسيمة في كل ما حصل؟. يبدو هذا الرد مجرد الفاظ لابعاد الانظار عما تنتجه قراراته من عواقب وخيمة علي الارض، بالعراق وافغانستان وغيرهما، وما تحمله النعوش الملفوفة بالعلم البريطاني. محاولا باستمرار الهرب الي الامام بنعته الاخرين بالمتطرفين وناصحا ومشددا علي أهمية عدم الانقياد وراء حججهم، نافياً الاقوال التي ذكرت بأنه كان قلقاً من غياب التخطيط قبل الحرب لمرحلة ما بعدها. و لكن في الواقع وحتي ولو تم اتخاذ قرارات مغايرة لهذه الأشياء فإن هذه المشكلة ستظل قائمة لأن من أحدثها هم الناس الذين نقاتلهم والذين قرروا أن يسببوا مشكلة لنا في العراق . مستغلا قدراته علي توفير الصياغات الجاهزة والردود التي لا تعطي جوابا واضحا كافيا، بينما هو يريد منها ان تسكت منتقديه وتبرر اعماله، كما جدد دفاعه المستمر عن اسقاط النظام العراقي، قائلا: اعتقد أن ما فعلناه في العراق كان صحيحاً، لأنك في النهاية تتخذ قراراً علي هذا القدر من الأهمية استنادا إلي ما تؤمن بأنه صحيح وتقف أو تسقط من أجله . فما هي النتائج لاتخاذ ذلك القرار، وماهي عواقبه وتداعياته وكارثيته ومن سقط من اجله؟. هل يمتحن بلير ضميره وهل يتوقف عنده؟ وكيف يضع بلير راسه علي وسادته ويطلع كل يوم علي ما يحدث بالعراق من دمار ودم جراء قراراته وتبعيته؟. اجل.. . اطيح بالنظام بالعراق وانطلقت شرور صندوق باندورا فيه، وجاء دور بلير الان، وبعده بوش، ولكن لا يكفي رحيلهما عن الحكم فهما اصحاب القرار، وحسب اقوال بلير نفسه، ينبغي ان يقفا امام المسئولية في العواقب.
ازاء كل ذلك فابرز ما تركه بلير حسب وسائل الاعلام لم يكن هينا، وسيترك اثقاله علي سير حكم وريثه ووزيره وجاره في مقر الحكومة الرئيسي، وتجمع اثاما غير قليلة تبقي تداعياتها تاريخيا وسياسيا، واغلبها تتعلق بعلاقاته مع الادارة الامريكية وسياساتها العدوانية الامبراطورية. فقد اشترك او دفع بقواته البريطانية في خمس حروب قررتها الادارة الامريكية، وليس اخرها جريمة احتلال العراق، ومساهمته في جرائم الحرب وفضائح السجون، وابرزها غوانتانامو، وصمة العار التاريخية لامريكا وحلفائها. ومن ثم السجون الطائرة السرية ومشاركة لندن في التغطية عليها، والتواطؤ في تمرير مخططات طمس الصراع العربي والفلسطيني مقابل الدعم اللامحدود للكيان الصهيوني، كما هي التضحية بالراي العام البريطاني واعضاء البرلمان والحزب ونموذج الديمقراطية التمثيلية البريطانية، وليس خاتمتها قضايا الفساد والرشوة التي فضحت مؤخرا.
ولم يقدم بوش له حسب الاندبندنت (6/6/2007) سوي ميدالية قرر الكونغرس الامريكي منحها تقديرا لتأييده المطلق لامريكا منذ الحادي عشر من ايلول/ سبتمبر عام 2001. ولم تجد الصحف الاخري غير النقد والاعتراض علنا وبمسئولية اخلاقية في اضعف الاحوال. وبات معلوما ما نشره معهد تشاتام هاوس الملكي البريطاني للدراسات الدولية الاستراتيجية حول العراق ومستقبله، ووصاياه التي لم تاخذ طريقها بحكم الهيمنة الامريكية واستمرار الاحتلال ومشاريع النهب والتخريب فيه. اما بخصوص التطورات العسكرية فيه، فقد صرح بوضوح عنها الجنرال البريطاني مايكل روز حين طالب بريطانيا اولا باعلان الانسحاب والاعتراف ثانيا بالهزيمة مثلما اعترفت في هزيمتها بامريكا الشمالية.
تركة ثقيلة خلفها بلير لخليفته غوردن براون، كيف سيعالجها ويتحملها وينجو من المصير نفسه؟ هذا هو السؤال؟.
خرج توني بلير من رئاسة الحزب والحكومة البريطانية بلا دموع ولا قُبل، لا من قِبل جمهوره الذي رفعه قَبل عشر سنوات الي هذين المنصبين الرفيعين، ولا من زملائه الذين كلفهم بمواقعهم التي يحكمون بها، بل العكس هو الذي حصل وسيحصل، من الاقربين اليه في الحزب والسلطة، والابعدين عنه علي السواء، وحتي من بعض من حاول ان يكرمه فرد بالرفض والتشهير به علي الصفحات الاولي من الصحف، (خاصة تلك التي هاجمته وهاجمها بصراحة، وفي وسائل الاعلام الاخري، حيث يتميز الغرب، في مثل هذه المسائل عن غيره). من بينها هنا الرسالة التي نشرت علي صدر صحيفة الاندبندنت يوم (21/6/2007) والتي وجهها جوزيف كور، الذي عرف نفسه بانه ليس سياسيا ولا معلقا سياسيا ولا محافظا ولا كارها لحزب العمال، بل انه رجل أعمال وصاحب شركة بريطانية ناجحة للثياب الداخلية، اعلن رفضه لقبا شرفيا منحته الحكومة البريطانية بتوقيع رئيس الحكومة توني بلير، وبيّن السبب في كلمتين، هما: توني بلير. وشرح انه صوّت له عام 1997 وممتن من الاجراءات الاقتصادية ولكنه يعترض علي سياساته بالعراق وأفغانستان وعلي تبعيته للرئيس الامريكي جورج بوش الثاني. وقد اعتبر كور أن قبوله يجعل منه شريكا في نظام توني بلير الذي يصفه ب الفاسد وهو ما لا يطيقه، مشيراً إلي نتائج غزو العراق بقوله: إن ما يجري في العراق الآن مأساة إنسانية ويمثل الفضيحة الأكبر في العصر الحديث . ووصف بلير بالمنافق عند ما برر الغزو بدوافع أخلاقية بينما الدافع الحقيقي هو المصالح الاقتصادية مفيدا بانه يمكن أن يحترم وجهة نظر بلير لو انه اعترف بان ذهابه إلي الحرب لأسباب اقتصادية، واختتم: لا يمكنني قبول التكريم من شخص غير صادق، وتوني بلير رجل غير صادق . هذه كلمات مواطن بريطاني هزته مشاعره الانسانية، (ومن الذين تهمهم سمعة شعبهم وبلادهم ومصير تضحياتهم)، تصدرت الصحيفة وغيرها وامثالها من وسائل الاعلام واستطلاعات الرأي العام، وتكاد تختصر تركة بلير الثقيلة في أعم مآسيها.
صحيفة الاندبندنت في نشرها قد يتوافق ونهجها في معارضة سياسات بلير وقد يكون انتقاده لها رأيا آخر فيها، اي ضمن المقبول اعلاميا وسياسيا وديمقراطيا، اما المقصود منها هو ما تعنيه وتستهدفه، وبالتالي تظل كلمات معبرة بكل ما يمكن قوله عن صرخة ضمير انساني، مثلها مثل صرخات امهات الجنود القتلي واصوات الاحتجاج والتظاهر المتواصلة ضد الاحتلال وبقاء الجيش هناك واضواء شموع الاجتماعات الحاشدة عند مقر الحكومة والبرلمان، ومسيرات مئات الاف المتظاهرين الرافضين للحرب.
ضمن هذا السياق قد يكون مدهشا ما يعبر بلير عنه من مواقف معروفة، في دفاعه عن سياساته وتحالفاته وتهربه من تحمل تبعاتها القانونية، رغم ادعائه بانه انسان ويتحمل وزر قراراته ونتائجها المأساوية. في معرض رده علي أسئلة في آخر ظهور له أمام لجنة الارتباط المكونة من رؤساء اللجان البرلمانية يوم 18/6/2007 قال: بالطبع أتحمل مسؤولية ما حدث وأي شخص أرسل أناساً في عمليات خارجية ولا يشعر بثقل هذه المسئولية، خصوصا عندما تتعرض قواتنا للقتل، ليس إنساناً وأنا إنسان . فهل يطبق ذلك عمليا؟ ويحاسب نفسه علي التضحيات الجسيمة في كل ما حصل؟. يبدو هذا الرد مجرد الفاظ لابعاد الانظار عما تنتجه قراراته من عواقب وخيمة علي الارض، بالعراق وافغانستان وغيرهما، وما تحمله النعوش الملفوفة بالعلم البريطاني. محاولا باستمرار الهرب الي الامام بنعته الاخرين بالمتطرفين وناصحا ومشددا علي أهمية عدم الانقياد وراء حججهم، نافياً الاقوال التي ذكرت بأنه كان قلقاً من غياب التخطيط قبل الحرب لمرحلة ما بعدها. و لكن في الواقع وحتي ولو تم اتخاذ قرارات مغايرة لهذه الأشياء فإن هذه المشكلة ستظل قائمة لأن من أحدثها هم الناس الذين نقاتلهم والذين قرروا أن يسببوا مشكلة لنا في العراق . مستغلا قدراته علي توفير الصياغات الجاهزة والردود التي لا تعطي جوابا واضحا كافيا، بينما هو يريد منها ان تسكت منتقديه وتبرر اعماله، كما جدد دفاعه المستمر عن اسقاط النظام العراقي، قائلا: اعتقد أن ما فعلناه في العراق كان صحيحاً، لأنك في النهاية تتخذ قراراً علي هذا القدر من الأهمية استنادا إلي ما تؤمن بأنه صحيح وتقف أو تسقط من أجله . فما هي النتائج لاتخاذ ذلك القرار، وماهي عواقبه وتداعياته وكارثيته ومن سقط من اجله؟. هل يمتحن بلير ضميره وهل يتوقف عنده؟ وكيف يضع بلير راسه علي وسادته ويطلع كل يوم علي ما يحدث بالعراق من دمار ودم جراء قراراته وتبعيته؟. اجل.. . اطيح بالنظام بالعراق وانطلقت شرور صندوق باندورا فيه، وجاء دور بلير الان، وبعده بوش، ولكن لا يكفي رحيلهما عن الحكم فهما اصحاب القرار، وحسب اقوال بلير نفسه، ينبغي ان يقفا امام المسئولية في العواقب.
ازاء كل ذلك فابرز ما تركه بلير حسب وسائل الاعلام لم يكن هينا، وسيترك اثقاله علي سير حكم وريثه ووزيره وجاره في مقر الحكومة الرئيسي، وتجمع اثاما غير قليلة تبقي تداعياتها تاريخيا وسياسيا، واغلبها تتعلق بعلاقاته مع الادارة الامريكية وسياساتها العدوانية الامبراطورية. فقد اشترك او دفع بقواته البريطانية في خمس حروب قررتها الادارة الامريكية، وليس اخرها جريمة احتلال العراق، ومساهمته في جرائم الحرب وفضائح السجون، وابرزها غوانتانامو، وصمة العار التاريخية لامريكا وحلفائها. ومن ثم السجون الطائرة السرية ومشاركة لندن في التغطية عليها، والتواطؤ في تمرير مخططات طمس الصراع العربي والفلسطيني مقابل الدعم اللامحدود للكيان الصهيوني، كما هي التضحية بالراي العام البريطاني واعضاء البرلمان والحزب ونموذج الديمقراطية التمثيلية البريطانية، وليس خاتمتها قضايا الفساد والرشوة التي فضحت مؤخرا.
ولم يقدم بوش له حسب الاندبندنت (6/6/2007) سوي ميدالية قرر الكونغرس الامريكي منحها تقديرا لتأييده المطلق لامريكا منذ الحادي عشر من ايلول/ سبتمبر عام 2001. ولم تجد الصحف الاخري غير النقد والاعتراض علنا وبمسئولية اخلاقية في اضعف الاحوال. وبات معلوما ما نشره معهد تشاتام هاوس الملكي البريطاني للدراسات الدولية الاستراتيجية حول العراق ومستقبله، ووصاياه التي لم تاخذ طريقها بحكم الهيمنة الامريكية واستمرار الاحتلال ومشاريع النهب والتخريب فيه. اما بخصوص التطورات العسكرية فيه، فقد صرح بوضوح عنها الجنرال البريطاني مايكل روز حين طالب بريطانيا اولا باعلان الانسحاب والاعتراف ثانيا بالهزيمة مثلما اعترفت في هزيمتها بامريكا الشمالية.
تركة ثقيلة خلفها بلير لخليفته غوردن براون، كيف سيعالجها ويتحملها وينجو من المصير نفسه؟ هذا هو السؤال؟.