الأحد، 1 يوليو 2007

حين يعترف جنرال الحرب

السبت16/6/2007
توقعت ادارة الرئيس الامريكي بوش الثاني انسحاب القوات البريطانية بعد تنحي حليفها الرئيسي توني بلير مضطرا من الحزب الحاكم وقيادة الحكومة في المملكة المتحدة، مثلما واجهت قبله ايضا انسحابات حلفائها في اسبانيا وايطاليا واتباعهم ممن لا يعرف لهم اسم في المشهد السياسي العالمي يوما ما، حسبما اعلنه ناطقون باسمها وبوسائل اعلامها. اذن هذا التوقع ليس مفاجئا، ولا مثيرا للاهتمام، سواء في الادارة الامريكية او عند الحلفاء انفسهم، ولكن المثير والمفاجئ هو لدي حلفائها بالعراق وبعض البلدان العربية ولدي الامم المتحدة وامينها العام الجديد، لاسيما في الحيرة بتسمية القوات العسكرية المتزايدة الاعداد بالعراق، اذ سيصعب عليهم تكرار تسميتها، وسيحيرون بماذا يسمونها او كيف سيغيرونها، فهم يهللون صباح مساء لها بانها قوات متعددة الجنسية موجودة برغبة الحكومة العراقية وبقرارات مجلس الامن، وهي ليست امريكية فقط؟!. (راجع تصريحات عدة بهذا الشأن من لدن تلك الأطراف كلها، بما فيها الامريكية). ومثلما تحملت الادارة والبنتاغون هذه الصفعات من الحلفاء، وهي مثلهم مضطرة للاعتراف والتعبير عن المأزق المشترك الذي توصلوا اليه جميعا، بعد كل ما حصل وحدث وجري، بعد سنوات من الغزو والحرب والاحتلال، وبعد كل ما عاناه الشعب العراقي والعالم من ورائه سيتحمل اولئك ما سيحصل اليوم وغدا ايضا. وقد يكون عسيرا عليهم الاعتراف بما تحمله مثل هذه الخطوات والمؤشرات الفعلية فيها وبعدها، وهو ما يشغل بالهم حقيقة، ويؤرقهم اكثر ما يمكن ان يتداعي منها، وهي القوة الحليفة الاساسية التي حلمت باعادة مجد غابر او حصة كبيرة من كعكة خطيرة جربت يوما مذاقها، ويحفل متحفها بصور او ببقايا من تلك الأيام.
الحديث عن انسحاب القوات البريطانية من العراق، بأنه ليس هزيمة عسكرية بل لتفرغها للحرب واحتلال افغانستان، كما سربت وسائل الاعلام الخبر، وكأنها في هذه الحالة تريد القول او تفسر بانها حققت المهمة التي كان يتغني بها الرئيس الامريكي ويرددها بعده رئيس الحكومة البريطانية ولهذا جاء دور انسحابها، لايغير من الواقع كثيرا. هذه المهمة المجهولة اعلاميا والتي اصبحت عنوان خطب الرئيس الامريكي بوش الثاني في كل المناسبات، من خطاب حال الامة الي اللقاء بأي موفد يصور معه في لقطات تذكارية في البيت الابيض. ورغم ان الامر ما زال يدور في تكهنات اعلامية او بحثية في المؤسسات العسكرية او السياسية التي تضع السياسات العامة للدولة، الا انه يرسم مؤشرات حقيقية لمسيرة واضحة لا تجد بدا امامها غير هذه الطريق، قبل فوات الاوان عليها. وهنا قد تكون قضية الاعلان عن الانسحاب اشارة ذكية لادارة قادرة علي التصرف بما يخدم مصالحها وتجاربها التاريخية، ويمنحها موقفا استباقيا لمصير مجهول، وتغتنم الفرص المتاحة، اذا لم تكن تكتيكاتها هذه في وارد مخططات اخري، تجرها وغيرها الي محن جديدة.
ليس غريبا طبعا في مثل هكذا قرارات عسكرية استراتيجية، توظيف طاقات كثيرة لتغليفها بما يخدع ويغش طبيعتها واهدافها ويوفر لها ما يستر عليها ما تخشاه منها. والاسئلة عنها مهما تنوعت تجد الاجوبة الجاهزة معدة سلفا ولا تحتاج الي طويل تفكير بها. وقد اعدت بدراية تامة وسربت قبل التفكير بها، وقد تجد لها تداعيات اضافية يمكن تلافيها بذكر اتمام المهمة ، ونسيان ما ذكر من ذرائع وحجج واسباب ووسائل خداع رهيبة، أشعرت الجنرال السياسي كولن باول بوصمة عار تاريخية في سجله العملي. وكيلا تمر هذه القضية كما مرت في كل ما نشر وحُسب من محاولات تغطية الانسحابات المتتالية، والمصائر التي آل اليها فرسانها في بلدانهم، تظل الحاجة ماسة، واضافية لكل ما تقدم، لتسجيل اسماء كل الجنرالات العسكريين وتثبيت ادوارهم في ارتكاب جرائم الحرب والاحتلال وانتهاك ابسط الحقوق المتعارف عليها والتي تدرس في الكليات العسكرية والدورات التدريبية، حتي في بلدان تنعتها الادارة الامريكية بمحاور الشر او بالارهاب. كما يتطلب جمع ملفاتهم سوية موثقة بكل ما قاموا به او اقدموا عليه، مع الانتباه لاهمية الاعترافات كأدلة قطعية، والاعتراف سيد الادلة كما هو معروف.
سواء استكمل الحديث عن الانسحاب بأسبابه الفعلية وبكشف حسابات وحجم الخسائر التي تكبدتها تلك القوات واضطرت الي اتخاذ هذا القرار، او تم التعتيم عليها كما صار معتادا ومعروفا حتي لوسائل الاعلام فان الحقيقة الساطعة التي تقول بفشل المشروع الامبراطوري واجباره علي التعثر والبحث عن مخرج له هي النتيجة الصائبة لما سيحصل علي الارض، وهي الباقية والانسحابات مستمرة. والشاهد الاكبر في ذلك حين يعترف جنرال الحرب بها، واعترافه يأخذ معناه الحقيقي ويحسب له حسابه العسكري والاستراتيجي والسياسي، بكل تأكيد.
كشف في فضائح سجن ابو غريب صدور اوامر عليا في الانتهاكات الفظيعة التي مورست ضد المعتقلين والممارسات البشعة التي خجل لها اصحابها بعد حين وتحولت الي شاهد صارخ يرد علي ادعاءات البنتاغون والادارة الامريكية في تصريحاتهما عن حقوق الانسان. وهذه الاوامر التي طبقت بحذافيرها وبابداع امريكي خاص تؤشر الي عقلية التحكم والغزو والاحتلال وتضيف مسئولية اخري لكل من مارسها او ارتكبها او علم بها ولم يعارضها او ينبه لمخالفاتها وارتكاباتها الشنيعة. وهي بكل تفرعاتها مسئولية تضع اركانها في قفص الجريمة وامام محاكمة التاريخ، مهما تكبرت الامبراطورية الصهيو امريكية وتجبرت علي القرار السياسي الدولي اليوم. وهي متتابعة لما سيأتي عليه الانسحاب وامثاله والاجراءات التي تصاحبه، او تغطي عليه. ومن هنا فان ما يصرح به اي مسئول رسمي له اهميته في هذا المضمار والتدليل به مهم جدا.
حين تتوالي اعترافات جنرالات حرب معروفين عن خسارة الحرب في احتلال العراق وحين يؤكدون ان الانسحاب من العراق بات ضرورة لسلامة قوات الاحتلال ونجاة لها من مصير واضح، وهزيمة تاريخية تفوق هزيمة فيتنام، وان الانسحاب خطوة كبيرة لهم لان كسب الحرب لم يعد قائما من خلال تجربتهم ومعرفتهم بموازين القوي علي الارض، وحين يشير هؤلاء الي اخطاء ارتكبت والي مآس حدثت بعلمهم او باشارة من قياداتهم فان القضية كلها موضع تحقق فعلي وان الايام ستشهد لهم بما توصلوا اليه وما قالوه ليوم قد لا يتكرر لهم غدا، وهنا تكتمل الصورة، وتتبين الوقائع التي تتحدث عن نفسها وتشير الي النتائج النهائية. فمصير كل غزو واحتلال الي زوال، مهما طال الزمن وكثرت التضحيات، وهذه الاعترافات، التي من بينها ما نقل عن الجنرال ريكاردو سانشيز والجنرال مايكل روز وغيرهما اكبر دليل
.