الأحد، 1 يوليو 2007

إصرار علي الحرب والاحتلال

السبت28/4/2007


كل يوم يمر علي الشعوب، التي ابتليت بمخططات المحافظين الجدد وعصابات الادارة الامريكية المتنفذة في القرارات العدوانية، يضاعف معاناتها بإسوأ مما عاشته، ويكفرها بما انتظرته من وعود شعارات براقة مخادعة وكاذبة، ومشوهة لكل معانيها التي عرفت بها او حملتها في مدلولاتها، وكأن هذه الشعوب تعاقب علي ثرواتها وخياراتها وموقعها ومواقفها التي تحولت نقمة عليها وبلاءا لم تحسب له حسابا. فلم تتوقف عند الحالة السيئة التي تمر بها، وانما صارت تعيش الحالة الاسوأ منها والمرافقة لها ولتحولاتها، واصبحت الصيغة شائعة: من السيء الي الاسوأ، قاعدة اساسية لتوصيفها فيما هي عليه من وقائع وظروف لا يختلف الكثيرون عليها، حتي داخل الادارة الامريكية وحلفائها ايضا. وتحولت حياتها التي كان المفروض ان تكون غير ذلك، حتي بحدودها الدنيا علي الاقل، الي محنة حقيقية وكارثة يومية ومأساة لا تحسد عليها، ولا تجد صيغة أخري اردأ منها لتعريفها بها او لتأسيتها عليها.
يواجه اي شعب منها اليوم صعوبات وتعقيدات متفاقمة ومحاصرة له ولآفاق حياته وحريته وكرامته الانسانية، وفق اعتبارات وتقديرات منظمات دولية ومؤسسات استطلاع وبحث غربية، وحتي نقابات واتحادات مهنية مختصة. وبات الحديث عنها من بين ما تتناقله الاخبار اليومية وكأنه حدث اعتيادي، قد لا يلفت الانتباه كثيرا، بعد ان اصبحت الهيمنة الامبراطورية هي المستفردة بالعالم، والخشية منها هي السائدة في العلاقات العامة. ولكن مقارنته بما يناقشه مجلس الامن الدولي في جلسات سرية وعلنية بما هو اقل شأنا منه، يجعل السؤال عنه ضروريا ويفضح ليس ازدواجية معايير وحسب، وانما مشاركة فعلية وبانتهاك ابسط قواعد القانون الدولي وحقوق الانسان والاتفاقيات الدولية وغيرها، واصرار غبي علي الحرب والاحتلال والعدوان، خلاف سمات العصر ودعوات التحديث والاصلاح والدمقرطة والتنمية الانسانية. مما يضع امام الجميع، حكومات وقوي سياسية وشعوب، المسئولية القانونية والاخلاقية والانسانية عنه، قبل كل شيء، ويطالبها باحترام ماوقعت عليه في القانون الدولي وميثاق الامم المتحدة والاتفاقيات واقرته من الاعراف التاريخية.
اية نظرة لما يعيشه الشعب الفلسطيني من حصار شامل وعدوان مستمر وخرق لأبسط حقوقه المشروعة، ويقارنه بما يقدمه الغرب الي الكيان المعتدي عليه من دعم ومساعدات عسكرية وسياسية تجعل الصمت جريمة والتفرج تواطؤا صارخا، مرفوضا من اي ضمير انساني، حيث لا يمكن ان تكون هناك حريات حقيقية او ديمقراطية فعلية باعتبارات انسانية تحت سيطرة قوات احتلال واستيطان وقواعد استراتيجية عسكرية وسياسية. ولابد هنا من تثمين ما قامت به نقابة الصحفيين البريطانية مثلا، وهي منظمة مهنية، التي لم تجد فرصة لها في مؤتمرها الاخير غير اعلان مقاطعة هذه القاعدة الاستراتيجية للعدوان في المنطقة والرد علي الظلم والقمع والاضطهاد المكشوف للعالم كله بطريقتها الاعلامية القادرة عليها، كاشارة احتجاج وغضب وتظاهرة علنية لتعميم ثقافة المقاطعة ودروسها التاريخية من تعاملها مع نظام جنوب افريقيا العنصري حينها. وتذكير من جهة اخري، بقضية متواصلة معها، تكشف صحة موقفها ازاء هذه الممارسات العدوانية التي تقوم بها سلطات الاحتلال والاستعمار الكولنيالي طبعا، وهي الاتهامات المقصودة التي وجهتها الي المفكر العربي الفلسطيني الدكتور عزمي بشارة، والتحضير لمحاكمته والسعي لانهاء رمزيته النضالية ومقاومته الفكرية للعدوان الاستعماري والهيمنة الامبريالية الجديدة. وهذه الحالات الكارثية المتعددة تكاد تكون مستنسخة في اكثر من مكان، وبأشكال متقاربة او موازية لها. واية متابعة لاوضاع الشعب السوداني ومنطقة دارفور خصوصا، والكثير من الدجل الغربي حول الوضع الانساني والمخططات العدوانية الاستعمارية المبيتة ضده، والتهديدات بغزوه وشن الحرب عليه يوميا وبشتي السبل، تفضح المرامي الاستعمارية واللعاب الغربي السائل علي كنوزه المكشوفة والمطمورة منها، وكذلك الامر مع تطورات الوضع في الصومال والعدوان السافر علي الشعب وخيراته وخياراته، وغزوه وقصف مدنه، وليس بعيدا عنها الوضع في لبنان او افغانستان او غيرهما من البلدان والشعوب المبتلية منها في اي مكان علي الكرة الأرضية، حيث ترسم كلها لوحة مأساوية، من سياسات الحرب والعدوان والاحتلال الغربية لهذه البلدان والشعوب، لا يمكن قبولها او السكوت عنها.
اما الحديث عن العراق المحتل، فيؤشر ابعادا جديدة، تتلخص فيها تجارب العدوان الغربي علي الشعوب، وتتكثف مخططات الحرب والتدمير للشعب والبلاد والثروات والمصالح والعلاقات الدولية والاقليمية وغيرها. وكان ما أعلن عنه من تحويله الي نموذج للمنطقة يأخذ طريقه بالصورة التي يراد لها ان تكون نموذجا. واية قراءة في اي تقرير لأي منظمة انسانية كالصليب الاحمر مثلا او منظمة اوكسفام الخيرية عنه تكفي لكشف هذا النموذج واتجاهاته الفعلية وتداعياته في التخريب اليومي لكل ما علي الأرض فيه، والاستهانة بحياة الشعب وهدرها علنا دون أية خشية من عقاب، وبالضد من أي التزام يضمنه القانون الدولي الانساني والاتفاقيات الدولية. وليس اخر عدوان ترتكبه الادارة الامريكية وحلفاؤها ضده هو وضع جدران عازلة بين مدنه واحيائه والادعاءات حولها والممارسات الوحشية المصاحبة لها، وتقسيم مدنه طائفيا وتدميرها وغيرها من اساليب المخطط العدواني السافر عليه. فلم تجد ممارسات الاحتلال فيما قامت به من جرائم ابادة وضد الانسانية وحرب شاملة ما يكفيها فسعت الي تجريب جرائم جديدة.
وبعد كل هذه الصور المأساوية والاوضاع اللا انسانية التي تصنعها الادارة الامريكية وقواتها وحلفاؤها يري كثير من المراقبين اصرارا غبيا منها علي الحرب وعنادا انتقاميا علي العدوان واستمرارا لتطبيق مخططات اقر فشلها من دوائر كثيرة تابعة لها ومهتمة بنتائجها، قبل ضحاياها والمتضررين منها. ويكشف هذا الاصرار عن اهداف ومصالح استعمارية امبراطورية، فضحتها تصريحات لأركان هذه الادارة وخاصة نائب الرئيس ديك تشيني ومن يدور في فلكه، لا تهتم بمصالح الشعوب واراداتها وانما بما يوفر لها مطامعها ومكاسبها الانانية علي حساب السلم والامن العالمي وتطلعات البشرية في الحياة الحرة الكريمة.
هذا الاصرار علي الحرب والاحتلال يتطلب التصدي السريع له، وقراءة واعية لكل المتغيرات الدولية، والعمل المشترك علي تعميقها وبناء عالم جديد خال من تلك السياسات الوحشية وانقاذ الشعوب من ويلاتها. العالم لم يعد ساكنا، والارادات الخيرة كثيرة وقواها وموازينها ليست قليلة لو اتحدت او عرفت سبيل ذلك لها ولغيرها من الشعوب والدول، وتعاونت فعلا لوضع هذا الاصرار وسياساته في سلة الماضي
وإبعاده من الخارطة السياسية لعالم الغد واحترام ارادات الشعوب ودعم مقاوماتها المشروعة وخياراتها الانسانية.