السبت30/12/2006
نقلت وسائل الاعلام خبر بكاء الرئيس الامريكي بوش الثاني علي مقتل جنوده بالعراق، وقد زاد عددهم علي عدد ضحايا ايلول/ سبتمبر 2001، التي جعلها الرئيس نفسه ذرائع لشن حروبه الاستباقية واحتلال افغانستان والعراق، وتهديد ستين دولة اخري بمثل هذا المصير، تحت شعارات اخري، ابرزها ما سماه كتبته بالحرب علي الارهاب، ورددها وزيره المقال رامسفيلد في كل خطبه الاعلامية، كما هو حال المقربة منه كوندوليزا رايس، ومن ينطق باسمهم بمختلف اللغات وفي اماكن اخري علي المعمورة. الامر الذي فضح استمرار الخداع والتضليل الامريكي وتوابعه، سواء في النتائج التي حصدتها هذه السياسات العدوانية او في الكوارث الانسانية التي لم تحص بعد اعدادها كما هو الحال في مقتل الامريكيين.تجري في اكثر من بلد عربي واسلامي شلالات دم يوميا ولم يعترف الرئيس الامريكي او من يتحالف معه باعدادها وبحجمها ويمضي مع اتباعه بالغش وحتي في حجبها والتمويه عليها، وكأنها دماء اصناف اخري من الخليقة تختلف عن صنف الامريكيين. حيث تتوسع الالة الدموية في وحشية قتلها وتدميرها اليومي، ولم تكتف بما تقوم به آلتها الحربية فقط، وانما تنشّط آلاتها الاخري في تفكيك وتفتيت الشعوب والبلدان العربية وما سمته آلتها الاعلامية بالشرق الاوسط الجديد، الذي وضعت علامات مخاضه كوندوليزا رايس بدءا بلبنان، بعد اجهاض سابقاته بافغانستان والعراق، والعودة من جديد اليها بهذه الخطط المستبدلة او المطورة عن سابقاتها، وهي تركز علي الخطط الاستعمارية القديمة المعروفة، بشعار فرق تسد ، وبث هذه السياسات من جديد داخل كل الساحات المبتلية بالعدوان والغزو والاحتلال الصهيو امريكي. وعواقب هذه السياسات تنشرها وسائل الاعلام في نشراتها آلافا أخري من الضحايا، باسماء مختلفة، او بعناوين متغايرة حسب توفرها في المكان المناسب، فمن فتن طائفية مذهبية، الي اثنية، الي صراعات سياسية حزبية، الي اصطفافات تحالفية مع مشروعها العدواني او ضده، وتفرّغ لها وسائلها كلها وبكامل طواقمها المحلية والدولية، وحتي منظمات دولية واقليمية، مثل الامم المتحدة ومجلس امنها وغيرها. وملاحظة قرارات مجلس الامن الاخيرة، تكفي كابرز شاهد عليها.ماذا يجري علي الارض الان؟ بافغانستان قصف وقتل يومي وعدد الضحايا تجاوز عدد قوات الاحتلال الاطلسية، وبالعراق لم تعد المشرحة البغدادية قادرة علي اعطاء احصاءات لما يعرض عليها من اجساد بشرية من كل الاعمار والاجناس يوميا، والجديد فيها مَن اصبح يسمي ببلده مجهول الهوية، اما خارجها فحدث او عد ولا حرج، فالارقام كلها صارخة ومؤلمة. ولم تعد محصورة بمحافظة او بمنطقة، بل حتي ما تسميه ادواتها الدعائية بالهادئة وغيرها، وعادت قوات الاحتلال الي ممارساتها المعلومة في تقسيم السكان والمناطق وتهجير الاهالي وبناء مخيمات لجوء وصناعة فرق موت واغتيالات ومفخخات في كل زاوية من ارض العراق. وبفلسطين اصبحت الاخبار المبثوثة عنها ما يتعلق بالاشتباكات وضحاياها بين فصائل حركة التحرير الوطني فيها، من فتح وحماس، حسب المراحل السياسية وظروف الحصارات المتعددة. وعدم الاكتفاء بذلك، بل بزيادة المصاعب والاختناقات بما يزيدها اشتعالا وتعقيدا كل يوم، مبعدة او متعمدة التستر علي الجرائم اليومية التي تقترفها قوات الاحتلال الاستيطاني والعقاب الجماعي الذي تمارسه بقوة الطائرات والدبابات وغلق المعابر والجدار. اما بلبنان لم تكتف سياسات العدوان باكثر من الف شهيد من العدوان المباشر الصهيو امريكي عليه، فتزيده بالقنايل العنقودية وغيرها التي رميت او سربت او انزلت بطرقها المعروفة الي داخل الوسط اللبناني، والمعروفة تلويناته ورهاناتها تاريخيا وعمليا. ولم تتوقف آلات التدمير والنهب والقتل الصهيو امريكية عند هذه الشعوب والبلدان وحسب، بل امتدت أذرعها العدوانية خارجها، الي السودان وخطط تجزيئه واحتلاله عسكريا ومباشرة بقوات اطلسية، وتحت مسميات لا تختلف عن التي اطلقت علي القوات التي ارسلت الي جنوب لبنان، وبقرارات دولية تدعمها ما تسميه بيانات مجلس التعاون الخليجي بالشرعية الدولية التي تحترمها بحذافيرها وتسعي بكل ارصدتها تنفيذها، دون حساب مستقبلي او انتباهات لما تعلنه اشارات البيت الابيض او البنتاغون عن نظرية دومينو عربية قادمة لا محالة في كل تلك المنطقة من العالم. وتنزل من السودان الي الصومال، وترسل جيوش اثيوبيا لاحتلاله. (من هو الشعب او البلد العربي؟ الصومال ام اثيوبيا؟ ولماذا التفرج علي الدماء العربية المهدورة؟). ويتفاخر رئيس وزراء اثيوبيا، المدعوم من الاطلسي والبنتاغون وحلفائهما، بقتل الاف الصوماليين والسيطرة علي اراضيه تحت مسميات واسماء جاهزة ولا تحتاج الي طلاء اعلامي لمخططات القرن الافريقي الجديد !.في المحصلة، دم عربي يستباح في اكثر من مكان ويستتبعه ما يعلن عنه من المآسي التي لم تسجل في قرارات الشرعية الدولية او العربية الرسمية، ولم يعط موقعه السليم في مساحة العمل السياسي والعسكري، وكانه ضريبة دموية اجبارية لخدمة المشاريع الامبراطورية الصهيو امريكية، دون سؤال عن شرعية وحقوق هذه الشعوب والاوطان في امتلاك خياراتها وخيراتها وضمان حياتها ومستقبلها مثل بقية البشر علي الكرة الارضية.الاوضاع تسير من سييء الي اسوأ، فلا الشعارات المخادعة التي جاءت بها الدولة العظمي قد حققتها، ولا النماذج التي ادعتها توصلت اليها، ولا الحجج والذرائع التي وظفت لها ما استطاعت قد برهنت عليها، بل ثبت بطلانها، وصارت ضدها، وزادت في الخراب اكثر مما كان عليه، او افظع منه، واضحي السؤال الان ليس عن تلك الشعارات الكاذبة بل عن حماية تلك القوات الغازية واعادة توزيعها وترك الصراعات الدموية بديلا عنها، او تبرر لها بقاءها او تنجز لها ما ارادته فعلا وغلفت به كل حروبها العدوانية، وهو الهيمنة المباشرة والسيطرة بالقوة علي احتياطيات النفط والتوكيل عليها لخدمة مشروعها الذي حارت بتسميته وخاب املها بكل ما مهدت له. او بكلمات اخري اعادة الاستعمار القديم بمسميات اخري، ومن يعيد صفحات التاريخ يري انها اعادة انتاج بصور ابشع واكثر اجراما وانتهاكا لما حققته البشرية من تقدم ومدافعة عن حقوق الانسان والحريات العامة، ولا يغرنك اختلاف الصفات وتغير موازين القوي، ومحاولات مزينة باسماء مزيفة.من يبكي علي الدم العربي، من يحميه، من يوقف هدره؟ هذه اسئلة قد لا تحتاج الي أجوبة متعددة، فالذي ابكي بوش الابن ومن تعاون معه، ومن قهر الجيش الذي لا يقهر، وحوّل قوته الي مهزلة بين افراده، ومن قرأ تاريخ اجداده بروح شعبه وارادته هو الذي يرد علي الاسئلة ويزيد من دموع بوش واتباعه، رغم فداحة الخسائر وجسامة التضحيات.