الأحد، 1 يوليو 2007

الصحافة والصحفيون .. أرقام ودماء

السبت6/1/2007
كل عام جديد تصدر منظمات اعلامية او مختصة بالشأن الاعلامي، رسمية ومستقلة، دولية واقليمية ومحلية، تقارير سنوية لها عن نشاطاتها وعن ضحاياها، واذا تركنا للمعنيين والمهتمين بنشاطاتها قراءة ومتابعة ذلك في التقارير المذكورة، نعرج هنا الي الضحايا وأرقامها، وصحة وموضوعية ما ورد فيها، وعن الفاجعة الدائمة في الخسائر البشرية لها، حتي بات القلق والحزن يساور الجميع ارتباكا منها، وكأن معدلات الفواجع تتسابق معها ومع اهدافها في البحث عن الحقيقة وعن المتاعب التي سميت بها وأصبحت حالة مستديمة. وأبرز المنظمات الدولية منظمة (مراسلون بلا حدود) وتقاريرها السنوية تغطي ما يصلها او ما يتابعها لها مراسلوها في العالم عن حالة الصحافة والصحفيين في كل بلد من المعمورة، وفي اكثرها سخونة وحروبا وحشية، لاسيما البلدان المحتلة والتي بقيت علامات سوداء في جبين الانسانية في القرن الواحد العشرين.وقبل ذلك لا بد من ذكر ما اتفقت عليه الحكومات في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بموجب قرار الجمعية العامة للامم المتحدة، الذي بدأ التنفيذ في 23 مارس العام 1967، وفي المادة التاسعة عشر منه نقرأ:
1- لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة.
2- لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلي آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء علي شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخري يختارها.
3- تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة 2 من هذه المادة واجبات ومسؤوليات خاصة. وعلي ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية:
(أ) لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم.
(ب) لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.
وهذه المادة وما سبقها وتلاها تؤكد علي حرية التعبير والاعلام وتبادلهما، ولا يمكن تجزيئها أو الاختيار بين فقراتها، ولا تحتاج لشرح او توضيح اضافي للجهات التي تمارس قتل الصحفيين والتضييق علي وسائل التعبير والاعلام عامة.
واذا كانت تقارير المنظمات قد اشارت الي ذلك او اعتمدت عليه في تقييمها عما تعرضت له حرية الكلمة والانسان الذي بذل حياته في سبيل ايصالها ونشرها والدفاع عنها، فان ثمة ملاحظات لابد من ذكرها قبل التطرق اليها، تستند الي الأرقام والحالات ومصادرها، ومن ثم تشخيص تلك الجهات، وتحميلها المسؤولية عنها وتطبيق القرارات والقواعد الدولية عليها، وحتي تطبيق قرار الأمم المتحدة، الصادر أواخر العام الماضي، في حماية الصحفيين في ساحات الصراعات الحربية، ومعاقبة كل من ينتهك هذا الحق، ومن يرتكب تلك الجريمة. يلاحظ ان هناك اختلافات في الأعداد، والتغطية والأسباب او التركيز وتسليط الأضواء علي مصادر دون أخري وتركها للتقديرات العامة، رغم انها لم تعد بحاجة الي مثل ذلك، فالأمور واضحة. وهذا أمر غير مناسب ومدان ويثير الريبة في صحة التقارير ومصادرها، لأنه متعلق في ضحايا بشرية، لا يبرر أي إغفال او تمييز فيها، ولابد من التدقيق والحرص علي احترام الانسان وتقدير جهوده في هذه التضحيات وتعزيز المصداقية والموضوعية والحيادية في هكذا تقارير ومراصد وإبعاد الوقوع في التضليل والانحياز المتعمد، وكيما تحترم هذه المؤسسات وتقاريرها كمرجعية لها وللمهتمين بها. اما الاجماع في التقارير فهو في ان السنة المنصرمة كانت هي الأعلي في عدد ضحايا الصحافة والصحفيين في العالم منذ اكثر من عقدين من الزمان. وهذه حقيقة قاسية لابد وان تثير تساؤلا وتؤشر بكل الأصابع الي من وراء ذلك؟، ولماذا تستمر هكذا انتهاكات صارخة؟.كشف تقرير (لجنة حماية الصحفيين) ومقرها الولايات المتحدة مثلا: أن 55 صحفيا قتلوا كنتيجة مباشرة لعملهم أثناء عام 2006 بينما عام 2005 فقد فيه 47 أرواحهم، وما زالت اللجنة تحقق في 27 حالة وفاة أخري لها علاقة بالعمل الصحفي . وكانت أفغانستان والفلبين اللتان قتل في كل منهما ثلاثة صحفيين من أخطر الأماكن بعد العراق. وقتل صحفيان في كل من روسيا والمكسيك وباكستان وكولومبيا. وظل العراق أكثر الأماكن خطورة للصحفيين للسنة الرابعة علي التوالي، حيث قتل 92 صحفيا فيه منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في مارس عام 2003. بهذه اللغة يواصل التقرير: أن أربعة صحفيين فقط قتلوا في تبادل إطلاق النار أو في أعمال حربية، ووجهت تهديدات قبل القتل إلي نصف الصحفيين الثمانية والعشرين الآخرين وخطف ثلاثة ثم قتلوا . كما قتل 37 آخرون من العاملين في مجالات ذات علاقة، بينهم مترجمون وسائقون وموظفو مكاتب منذ بدء حرب العراق. ومهما كانت تحليلات هذه التقرير فما ذكره من أرقام خطيرا، والحالات التي حاول تمريرها دون تحديد المسؤولية المباشرة عنها فاجعية، رغم ان القانون الدولي والأعراف الاخلاقية والانسانية تقدم تلك الجهات وتحملها المسؤولية. وفي كل الحالات تشير الأرقام الي مأساة!. كما هو الحال في تقرير منظمة (مراسلون بلا حدود) التي مقرها باريس، ورغم ذلك فما نشرته اقل مما رصدته تقارير منظمات محلية، كنقابة الصحفيين وغيرها من التي تتابع الحريات الصحفية بالعراق مثلا. حيث تعترف مثل غيرها باعتبار العراق للسنة الرابعة علي التوالي، أكثر الدول خطورة في العالم علي حياة العاملين المحترفين في القطاع الإعلامي، وتفيد: لاقي 64 منهم (صحفيون ومعاونون إعلاميون) مصرعهم في العام 2006 علماً بأنه منذ بداية الحرب، تعرّض 139 صحفياً للقتل بالعراق، أي أكثر من ضعف عدد الصحفيين الذين قتلوا خلال 20 سنة من الحرب بفيتنام (التي سجّلت مقتل 63 صحفياً بين العامين 1955 و1975). وتبيّن أن حوالي 90% من الضحايا هم صحفيون عراقيون. أما التحقيقات فنادرة وغالباً ما لا يتم إنجازها. ويضيف التقرير أرقاما سنوية عن حالات أخري، مثل الاختطاف والسجن والتهديد والاعتداء وفرض الرقابة وحرمان وسائل إعلام من حريتها وعملها وغير ذلك من المجالات الاعلامية المهمة، عمليا وبشريا, فالأرقام فيها مفزعة في كل الاحوال. وبمقارنتها مع غيرها في الأرقام والحالات يتبين مفارقات وتوقفات ضرورية أمامها، ولكن حتي هذه الأرقام والحالات لم تكن كاملة، فهناك أرقام أخري لمآس مستمرة وكوارث تتزايد كل يوم يمر مادام مصدرها قائما ومستمرا في إدارة مخططاته العدوانية.مقارنة مع ما يجري بالعراق أشار تقرير آخر الي أرقام مأساوية أخري للضحايا البشرية، حيث يذكر ان الأرقام، علي أهميتها وقسوتها، لم تقدم الإحاطة الكاملة بالحجم الحقيقي للمأساة التي يعيشها الصحفيون العراقيون في ظل الأوضاع الأمنية المتردية، والتراجع الملحوظ في مستوي الحماية التي يتوجب توفيرها للعاملين في هذا الحقل الحيوي، الذي يسهم في الكشف عن التجاوزات والفظائع التي ترتكب بحق الانسان. والاحصائية التي أعدها مرصد الحريات الصحفية بالعراق خلال خمسة اشهر، تختلف عن سابقاتها من حيث ارتكازها الي البحث الميداني المبني علي المعاينات والوقائع، ومن حيث إحاطتها الكاملة بأسماء الصحفيين البالغ عددهم 109 الذين لقوا حتفهم اثناء أدائهم واجبهم، كذلك تواريخ وأماكن استشهادهم، والوسائل الاعلامية التي يمثلونها، اضافة الي الجهات التي استهدفتهم.اذاً ضحايا الصحافة والصحفيين في العالم سُجلوا في أرقام وتقارير سنوية، ولكن دماءهم تطالب الجميع بتحمل المسؤولية ومعاقبة المجرمين وحماية
العاملين في
المهنة، الذين يحصون أعدادهم وحالاتهم في كل مكان.