السبت 7/7/2007
لم تعد الصفعات للرئيس الأمريكي بوش الثاني من الرأي العام والديمقراطيين وبعض القيادات العسكرية أو بعض الحلفاء بشأن المخططات العدوانية واحتلال العراق فقط، بل هذه المرة من أعضاء حزبه الجمهوري، واغلبهم وجوه بارزة في التشريع والشئون الخارجية، وفي هذه الفترة الحرجة قبل أكثر من عام من الانتخابات الرئاسية. وأغلبها على صعيد العلاقات العامة ومستويات سياسية داخلية مقارنة بسببها الرئيسي، واضرار اصراره على تصعيد جنون الحرب والاحتلال، والخداع الامبراطوري في تصوير الوقائع والفضائح في تلك الحرب والاحتلال والمشاريع الاستعمارية. وبلا شك تلعب الزيادات الكبيرة في اعداد الخسائر البشرية والمالية واثرها المباشر على الموازنات الرئيسية للدولة وسياساتها الخارجية دورا في استمرار هذه الصفعات وبمختلف اشكالها، وابلغها ما يحصل من حصاد يومي على الارض، ولاسيما بالعراق.ابرز صفعة وردت مؤخرا من مطالبة السيناتور الجمهوري ريتشارد لوغار، العضو البارز في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي، وتشدده بتغيير مسار السياسة الأمريكية المعلنة التنفيذ بالعراق من قبل الرئيس الأمريكي، واوضح في خطاب له أنه لا يشك في تقييمات القادة العسكريين حول التقدم الأمني في العراق، وعلى ضرورة الحفاظ على المبادرات التي ثبت نجاحها . لكنه وفي معرض دفاعه عن موقفه دعا إلى ضرورة البحث عن سبل أخري وأورد ثلاثة عوامل دفعته إلى المطالبة، هي: الانقسامات السياسية في العراق والضغط المتزايد على جيشنا وضغوط عمليتنا السياسية المحلية - تتجمع لتجعل من المستحيل تقريبا على الولايات المتحدة ان تقيم حكومة مستقرة ومتعددة الطوائف في العراق في وقت معقول . وقد يكون ما قام به هذا السيناتور الجمهوري وبهذا الشكل أوضح صوت من الداخل والاقرب إلى سماع الادارة والرئيس الأمريكي نفسه، فقد رأي تدهور الاوضاع وقرأ النتائج اليومية التي لا تنشر علنا أو لا تسرب لوسائل الاعلام كغيرها. ودعا إلى مراجعة معقولة والاتفاق معا على وضع استراتيجية مشتركة تدافع عن المصالح الأمريكية وتؤمن استمرارها في المنطقة، والبحث عن سبل لهجوم دبلوماسي بدلا من زيادة اعداد القوات والقواعد بالعراق، وعلى تطمين الحلفاء بخطط جديدة وغيرها من المقاربات.. اذ يري انه لم يعد ممكناً الاستمرار في هكذا استراتيجية ، لاسيما وان الخدمة في الجيش تعاني من صعوبات مطردة بالتجنيد والتحشيد العسكري. وفي اليوم التإلى لخطابه وجه السيناتور جورج فونوفيتش، العضو الجمهوري الآخر في لجنة العلاقات الخارجية نداء إلى الرئيس الأمريكي، يدعوه فيه إلى خفض الالتزام العسكري الأمريكي بالعراق، والاهتمام أكثر بالجهود الدبلوماسية. وبهذين الخطابين انضم مرسلاهما، عضوا مجلس الشيوخ إلى أربعة أعضاء آخرين من الحزب الجمهوري سبق وأن دعوا إلى تغيير السياسة الأمريكية الحالية بالعراق. وأعطيت إعلاميا لتصريحات لوغار العلنية ضد سياسات إدارة بوش أهمية اكبر بالنظر إلى الاحترام الذي يحظي به هذا المشرع الجمهوري، صاحب ست فترات متتابعة في المجلس وانشغاله الجدي في السياسة الخارجية لبلاده، وهذا ما يتفق معه كثير من المراقبين والمعلقين الأمريكان ايضا، وحتى توني سنو، المتحدث باسم البيت الأبيض، وصفه بالحصيف وهو يعارض أفكاره في رده على اسئلة بخصوص خطابه. كما امتدح السيناتور الجمهوري جون وورنر تصريحات لوغار معتبراً أنها مساهمة مهمة وصادقة . وقد تتطور مثل هذه النداءات وتتوسع رقعتها مستقبلا، وهي الحالة التي كانت ابان الهزيمة من فيتنام، داخل أوساط المشرعين ووسائل الاعلام وأروقة السياسة الداخلية الأمريكية.بلا شك، تزايد اعداد السياسيين الجمهوريين المعارضين لخطط الادارة والداعمين لاقتراحات الديمقراطيين أو التقارير التي سبق وان قدمت آراء للتغيير ولانقاذ الولايات المتحدة من الورطة التاريخية الجديدة التي وقعت فيها بالعراق، مثل تقرير بيكر هاملتون أو دراسات المراكز الاستراتيجية الاخري التي تبحث في قضايا سحب قوات الاحتلال في آجال قريبة من نهاية العام القادم، يجمع صفعات متوالية ومتتإلىة للرئيس وإدارته، وبالتالي يشكل إعلانا بوجه آخر لفشل صارخ باعتراف اهل الدار واصحاب الشأن المباشرين. تضيف عليها أو تعمق من ازمتها تقارير تفيد بتعثر الخطط البديلة أو المسار الذي ينتهجه الامبراطور العاري بوش الثاني، في زيادة اعداد القوات العسكرية وبناء القواعد الاستراتيجية والاعلانات المضللة عن البقاء لفترات اطول، والتشبيه بالوضع في كوريا الجنوبية او غيرها من الدول المحتلة أمريكيا او المرهونة لسياساتها ومساعداتها. وتطرح هذه العناوين، في كل الاحوال، اشارات بليغة للمأزق السياسي الكبير الذي تعيشه الادارة الأمريكية وخبراؤها، وتناقض الوعود والاختيارات في حلها، وصولا إلى الهرولة لإقناع المشرعين بالصبر عليها والانتظار لمعجزة لا تعرف تداعياتها ومدياتها على الارض. وقد يكون الرئيس الأمريكي ولأكثر من مرة مضطرا إلى الحديث والنصح بالصبر، حتى اصبحت مهمة بث الصبر جديدة أو اخرى من مهامه في التصريح بها إلى الرأي العام والمؤسسات الأخرى في الولايات المتحدة الأمريكية.لكن التقارير التي تنشرها مصادرها الأمريكية تقول بعكس المنتظر والمأمول من الادارة، فلا زيادة عدد القوات حلت المأزق، ولا الذريعة المصطنعة في تدريب قوات عراقية وتكليفها بالمهمة أنجزت أكلها حسب التخطيط والمشروع الإمبراطوري ولا المخططات الاخري التي تسرب اخبارها بين حين وآخر يمكنها ان توفر للإمبراطورية ما كانت تعد به أو ترغب فيه، فكل الوقائع تشير إلى استفحال الازمة وتدهور الاوضاع. وتنعكس سلبا داخل ادارة الامبراطورية، وليست صرخة لوغار ومن ايده نابعة من فراغ أو رغبة شخصية. وقد يكون الصبر وانتظار ما سيأتي به تقرير القائد العسكري الأمريكي الجنرال ديفيد بيتراوس، والسفير ريان كروكر، القائم بمهام المندوب السامي بالعراق في شهر ايلول/ سبتمبر القادم غير واف أو شاف لاحلام الامبراطور واركان ادارته ومنظري سياساته الاستراتيجية، وقد تكون عواقبه اشد واعمق من تقارير أخرى سبقته ولم تف بغرضها المنشود منها.وآخر تقرير عسكري أمريكي قدم للكونغرس كشف صورة كالحة لتطور الاوضاع بالعراق بعد اربع سنوات من الاحتلال، ولعل في تصريح السيناتور جون كيري أوضح تعبير عنه، حيث قال إنه بعد أربع سنوات و19 مليار دولار، نري نتيجة مثيرة للشفقة في خطة تجهيز القوات العراقية التي كثر الحديث عنها وتضخيمها، مقارنة مع ما استثمرناه . وأضاف ان الهدر الكبير وعدم تحقيق أي تقدم يشكل مثالاً إضافياً على كيف تسببت أخطاء الإدارة وأحكامها الخاطئة في إحداث كارثة في العراق .بماذا تفسر مثل هذه الاعترافات/ الصفعات؟، ولماذا الاصرار على ارتكاب الجريمة؟ وإلى متى يدفع الشعب العراقي والعالم ضريبة هذه الفوضى الدموية؟.