الأربعاء20/12/2006
غزو العراق من أبرز الاختبارات السياسية لدول الجوار في توصيف الوضع الإقليمي العلاقات التركية الأمريكية الاستراتيجية تأثرت بموقف أنقرة من غزو العراق الاحتلال وضع تركيا وإيران في وضع محرج واستمراره سيضيف لهما أعباء وتكاليف ثقيلة قبل رحيله.. أجاويد يكشف دور واشنطن في اسقاط حكومته وتفتيت حزب اليسار الديمقراطي بسبب معارضته الشديدة للحرب على العراق تواجد استخباراتي إسرائيلي كثيف في العراق جنوب تركيا وغرب إيران
يحد العراق ست دول، أربع منها عربية على حدوده الغربية والجنوبية، أما على حدوده الشمالية والشرقية فتحده دولتان إسلاميتان، من الشمال تركيا ومن الشرق إيران. وإذا حددنا موضوعنا في قراءة الوضع الإقليمي في إطار الدول الإسلامية، غير العربية، التي تحد العراق، فالواضح أن العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية تتباين بين نظامي هاتين الدولتين والنظام بالعراق، وتبرز مقاربتها أو تناقضاتها في المشهد السياسي حسب سخونة تطورات القضايا المشتركة أو المختلف عليها بينها. كما إن كلا من تركيا وإيران كدولتين يحكمهما حزبان إسلاميان تختلفان في علاقاتهما فيما بينهما وبين النظام العراقي وحكم حزب البعث العربي الاشتراكي ورئيسه صدام حسين، المستمر بالحكم عقودا عديدة منذ وصوله السلطة وحتى إسقاطه وغزو العراق من جهة، مع تطورات علاقاتهما الداخلية لكل منهما، خاصة ما يتعلق بطبيعة التغيرات الديمقراطية وتداول الأحزاب السياسية في البرلمانات والحكومات فيها ومن ثم مع أطراف خارجية أخرى من جهة ثانية. وتتميز تركيا عن إيران أيضا في علاقاتها الخارجية، فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي وعلاقاتها استراتيجية متينة مع الولايات المتحدة الأمريكية كما أنها تسعى لعضوية الاتحاد الأوروبي ولها صلات مع الكيان الإسرائيلي واتفاقيات عسكرية ودبلوماسية وزيارات مستمرة متبادلة على مستويات عالية، على خلاف إيران في كل هذه المسائل. ورغم ذلك فثمة تقاربات في المواقف وتشابه في التعامل مع المتغيرات والعلاقات في الفترة الزمنية القريبة من قرارات غزو العراق ومن احتلاله وإسقاط نظامه وتدمير دولته. بات معلوما ما بين إيران وتركيا من تنافس في مجالات التعاون الإقليمي، بما فيها محاولات لإدماج علاقاتهما الثنائية بالجمهوريات المستقلة في أطر للتعاون الإقليمي. إيران بادرت لإحياء نشاط منظمة التعاون الاقتصادي التي أنشئت عام 1985، بين تركيا وإيران وباكستان، كما تم إنشاء مجلس التعاون لبحر قزوين في نيسان/ إبريل عام 1992، بهدف تسهيل المبادلات التجارية والملاحة البحرية بين دول المنطقة. وتركيا طرحت مشروعات موازية ومماثلة، فدعت في عام 1992 إلى تنظيم مؤتمرات قمة للدول ذات الأغلبية التركية في آسيا الوسطى والقوقاز، كما أنشأت منطقة التعاون الاقتصادي للبحر الأسود والتي تضم أرمينيا وأذربيجان. كما أن هناك عوامل تقارب وتعاون بين تركيا وإيران أيضا في سنوات التاريخ المعاصر، فهما تستندان إلى تجارب سابقة للتنسيق والتعاون الاقتصادي والسياسي، وتقعان في إطار إقليمي يضم تجمعا متماسكا جغرافيا، فضلا عن القواسم المشتركة والمتبادلة في إطار الثقافات التركية- الفارسية. أما عن علاقاتهما مع العراق في هذه الحقبة القريبة، فكما هو معروف خاض العراق مع إيران حربا ضروسا استمرت ثماني سنوات، وانتهت بضغط دولي، ولم يحدث مثلها مع تركيا، إلا أن الحرب وتداعياتها لم تؤثر على الموقف الرسمي والشعبي الإيراني من رفض شن الحرب على العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها وتجييش قواتها في قواعدها الموزعة في دول الخليج العربي المواجهة للحدود الإيرانية الجنوبية والغربية. بينما ظلت العلاقات مع تركيا في إطار اتفاقيات عسكرية وأمنية واقتصادية، رغم تبدل حكومات أنقرة، واستمرار عضويتها في الناتو والتسهيلات المتميزة للولايات المتحدة الأمريكية وهيمنة قيادات القوات المسلحة التركية على الكثير من قراراتها السياسية. والملاحظ بشكل اعتيادي أن بين هذه الدول الثلاث، العراق وتركيا وإيران، ما يجمعها رغم خلافاتها أو صراعاتها، خاصة حول بعض القضايا الحساسة مثل القضية الكردية، التي يتوزع شعبها في المثلث الحدودي لها من جهة، فقد عقدت عدة اجتماعات على مستوى وزراء الخارجية حولها بالاشتراك مع سوريا، والموقف من بعض التدخلات الخارجية التي تمس سيادتها واستقلالها وبرامجها على اكثر من صعيد من جهة أخرى. وهناك إشكاليات تتفاقم بينها حسب تطوراتها الداخلية لكل منها، مثل قضية قوى المعارضة المتواجدة في كل بلد ضد جاره وأشكال دعمها وتوفير ظروف نشاطاتها وطبيعة الصلات بينها، أو وضع الاقليات المنتسبة لها أو المحسوبة عليها، كالأقلية التركمانية، أو مشاكل المياه والسدود التركية التي بنتها على منابع نهري الفرات ودجلة بالنسبة لتركيا. أو الأقلية الإيرانية بالعراق وفتح سبل زيارات العتبات المقدسة وحمايتها ودور المرجعية الدينية في النجف ومواقفها السياسية رغم مكانتها المعروفة وتخليها عن التدخلات المباشرة في القضايا اليومية، ومصير الأقلية العربية في إيران، وحتى الجزر الثلاث، طنب الكبرى والصغرى وابو موسى ومياه شط العرب والملاحة في الخليج، بالنسبة لإيران.جاء موضوع غزو العراق ليكون من ابرز الاختبارات السياسية لدول جوار العراق، في توصيف الوضع الإقليمي. وكان رد الفعل الأولي المعلن إيجابيا بالنسبة للعلاقة مع العراق ونظامه ضمن مواقف سياسية مسبقة من طبيعة الغزو والاستراتيجية الأمريكية ومشاريعها في تغيير جغرافية المنطقة السياسية وأنظمتها وعلاقاتها ومستقبلها، تحت ذرائع وخدع مكشوفة. فقد اتخذت الدولتان الإسلاميتان موقفا واضحا ضد المشاركة في العمليات العسكرية، ورفض البرلمان التركي رسميا السماح للحكومة بالموافقة على تقديم تسهيلات عسكرية أو قبول عبور القوات الأمريكية الغازية عبر الأراضي التركية، حتى بلغ الوضع مستويات خطيرة، كشف رئيس الوزراء التركي السابق بولند اجاويد مؤخرا خلفياتها وما تم من عمليات سياسية على الساحة التركية، متهماً الولايات المتحدة الأمريكية بإسقاط حكومته وتفتيت حزب اليسار الديمقراطي، الذي يقوده، بسبب معارضته الشديدة للحرب الأمريكية على العراق. فنقلت صحيفة "ترجمان" التركية عن أجاويد قوله أن حزب اليسار الديمقراطي الذي يتزعمه "كان يعارض العملية العسكرية الأميركية ضد العراق مما دفع بالرئيس جورج بوش لأن يعلن أنه من المستحيل إقناعه بالحرب والتعاون في خطة الهجوم العسكري على العراق". وأوضح أن "واشنطن شرعت لهذا السبب في تدبير هذه المؤامرة لإسقاط الحكومة التركية قبل الانتخابات التي سبقت اندلاع الحرب وإعداد خطتها العسكرية النهائية". وفضح أجاويد، الذي كان يقود حكومة ائتلافية مع حزبي الوطن الأم والحركة القومية قبل الحرب على العراق وحتى خسارته الانتخابات في العام 2002، "تحركات سرية مكثفة وغامضة جرت في تلك الفترة بين وزير الاقتصاد كمال درويش وصديقه الأمريكي مساعد وزير الدفاع بول وولفويتز" ( السفير 15/3/2005) وكان وولفويتز من مهندسي الحرب على العراق ولعب دورا كبيرا وبارزا في الضغوط على دول الجوار لتقديم الدعم ومشاركة جيوشه في غزو العراق أو تهديدها بعواقب لا تنتظرها، وهذا ما حصل مع حزب أجاويد عمليا. ورغم عدم طلبه علنيا من إيران مثل هذه التسهيلات أو المشاركة إلا أن تصريحات القيادات الإيرانية الرسمية والبرلمانية كانت بالضد من تلك العمليات العسكرية، بل وأدانتها وحذرت من عواقبها على أمن واستقرار المنطقة، التي تشكل إيران فيها دولة استراتيجية كبرى، وبالتاكيد، تخشى من امتداد شررها إلى أراضيها، اذا لم تحسب خطرها المباشر عليها. مع امتناع تركيا عن تقديم مساعدات لوجستية للعمليات العسكرية المباشرة، كانت قواعدها العسكرية في الجنوب، مثل قاعدة انجرلك وغيرها، مسرحا لقوات وطائرات حربية أمريكية وبريطانية تقوم يوميا بما سمته حينها بمراقبة الأراضي العراقية. حيث نشرت صحيفتان أمريكيتان، The Wall Street Journal & The New York Times يوم 6 آب/ أغسطس 2002 عن مخطط الجنرال تومي فرانكس القائد الأمريكي لغزو العراق، باستخدام قواته المتمركزة في قواعد أو معسكرات أمريكية في تركيا والأردن ودول الخليج العربي، إضافة إلى غيرها من خارجها، مشيرة إلى قاعدة انجرلك وقواعد تركية أخرى. بينما أشارت صحيفة (مليت) التركية في 31 تموز/ يوليو 2002 إلى رفض الحكومة التركية طلب القيادة العسكرية الأمريكية لاستخدام القواعد التركية في شن حربها على العراق. وكانت قد أشارت إلى استخدام قاعدة انجرلك الجوية العسكرية لمراقبة منطقة حظر الطيران no-fly-zone بشمال العراق بعد حرب الخليج عام 1991 وحماية 3.5 مليون كردي في الإقليم (حسب الإحصاءات الإعلامية الأمريكية)، وموافقة البرلمان التركي في 18 حزيران/ يونيو على تمديد فترة السماح لما تسمى عمليات مراقبة المنطقة حتى نهاية العام.وشكلت القضية الكردية وتحركات الفصائل الكردية العراقية بالتعاون والتنسيق مع السياسة الأمريكية في التحضير لغزو العراق عاملا مؤثرا في قرارات الحكومة التركية خاصة، وجزء من الضغوط عليها أيضا، مثلته سخونة التحركات الكردية في جنوبها، ومن داخل الحدود العراقية، حيث تمكن حزب العمال الكردستاني في تركيا PKK الذي غير اسمه بعد اعتقال قائده عبد الله اوجلان وسجنه من قبل الحكومة التركية، إلى مؤتمر الديمقراطية والحرية الكردستاني Kurdistan Freedom and Democracy Congress (KADEK) والذي يقدر عدد أعضائه بخمسة آلاف حسب التقارير الصحافية الأمريكية، بنقل قواته إلى جبال قنديل العراقية وتوجيه ضربات عسكرية إلى الجيش التركي أو مراكز الجندرمة بحماية من الفصائل الكردية العراقية، وغارت القوات التركية اكثر من مرة على مواقعه الجديدة بالعراق بتنسيق مع القوات الأمريكية أو بقرارات عسكرية تركية وصمت عراقي رسمي. كما حاول الزعيمان الكرديان العراقيان، السيدان جلال الطالباني زعيم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني ومسعود البرزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني طمأنة الحكومة التركية بعدم عزمهما على إعلان دولة كردية انفصالية عن العراق، وانهما متفقان مع السياسة الأمريكية التي أعلنتها في أنقرة مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس ومساعد وزير الدفاع الأمريكي بول وولفويتز (سابقا)، ويعملان من اجل عراق موحد ديمقراطي فدرالي. ولكن العلاقات التركية الأمريكية الاستراتيجية لأكثر من نصف قرن قد تأثرت بالموقف التركي من عمليات الغزو وأصبحت تمر بظروف متقلبة، منحت فرصا كبيرة لاستثمارها في محاولة توسيع الصدع أو الاختلاف بين أنقرة وواشنطن.كما تعرضت تركيا إضافة إلى ضغوط القضية الكردية إلى تهديدات مختلفة من الولايات المتحدة منها ما يتعلق بالقضية الأرمنية مثلا، التي وقف الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون حاجزاً أمام تمرير مشروع قانون "الإبادة" في الكونغرس في ولايتيه، وهو "الذي اعتبر أن شكل تركيا في القرن الواحد والعشرين هو الذي سيحدد شكل العالم"، عكس ما تواجهه اليوم من الإدارة الأمريكية التي يقودها الرئيس بوش الثاني والمحافظون الجدد أساسا، المعادون لكل ما هو إسلامي، أو يحمل مثل هذه التسمية، مما يصبح طبيعيا تعرض حزب العدالة والتنمية الإسلامي التوجه الذي يقود تركيا اليوم وله أغلبية برلمانية إلى مثل تلك الضغوط والتهديدات.من جهتها تعمل الأحزاب الكردية والمعارضة للحكم الإيراني في منطقة المثلث الحدودي، مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني _ ايران، وتتلقى الدعم من قبل دول الجوار والأحزاب الكردية العراقية، وتختلف مواقفها من الحكم بطهران عن حزب العمال الكردستاني، رغم حملها السلاح في فترات مختلفة ضد الحكم ومطالبتها بحكم ذاتي وصولا إلى التنسيق مع القوى الإيرانية الأخرى المعارضة لحكومة الجمهورية الإسلامية بإيران، مثل فدائيي خلق ومجاهدي خلق وحزب تودة الإيراني وغيرها من الأحزاب الإيرانية المعارضة، التي لها امتدادات أو اذرع عسكرية في دول الجوار، بشتى الأشكال، العلنية أو السرية، وقد يكون لها مقار معلنة، وحتى معسكرات تدريب وأسلحة ميدانية ثقيلة.
أما القضية الأخرى التي لفتت الانتباه وجمعت بينها فهي قضية التواجد الصهيوني الاستخباري في الأراضي العراقية جنوب تركيا وغرب إيران، والتي أفصحت عنها وسائل الاعلام الصهيونية في اكثر من عاصمة دولية، من بينها ما نقل عن مصادر إسرائيلية وتركية مخابراتية ونشرتها صحيفة صنداي تايمز البريطانية (13/3/2005) وتأكيدها على وجود قوات عسكرية إسرائيلية خاصة تراقب وتعمل ضد إيران من قرب حدودها من طرف كردستان العراقية. وشرحت الصحيفة المخطط الصهيوني لتدمير المفاعل النووي الإيراني، وأضافت بان مصادر مقربة من رئيس الحكومة الصهيونية أشارت إلى موافقته على قصف المواقع النووية الإيرانية. وكذلك أشار الكاتب الأمريكي سيمور هيرش في مقالته المعروفة: الحروب القادمة، عن تعاون إسرائيلي مع وكالة الاستخبارات الأمريكية والبنتاغون في خطط استهداف منشات إيران النووية، وسجل تخطيط صقور البنتاغون ومشاطرة وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد ومساعده بول وولفيتز لهم لتوجيه ضربة إلى حكومة طهران وإسقاطها ( نيويوركر 24-31/1/2005) واصبح هذا التواجد ليس خطرا محليا وإنما استراتيجيا على أمن وسلامة بلدان المنطقة ومكوناتها القومية. وقد انعكس هذا الأمر على مواقف تركية حادة طالبت بالحد منه وأدى إلى توترات في العلاقات بين تركيا والكيان الصهيوني حوله، مما دفع بالولايات المتحدة إلى التوسط ومحاولة الضغط عليهما لإعادة العلاقات بينهما إلى مستويات اعتيادية. ويشكل مثل هذا التواجد تهديدا إقليميا وخطرا جديا على جميع البلدان، بل ويعمل على تطبيق استراتيجيته المعروفة بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية في الهيمنة أيضا على المنطقة بعد تفتيتها إلى مكوناتها المتنوعة وتلوينها بهويات، دينية واثنية وطائفية ومناطقية وغيرها، وفق متطلبات المتغيرات في المنطقة. فمن بين ما يقوم به هذا التواجد المتعدد الأوجه، بشكل مباشر تحريض القوى الكردية العراقية على العمل إلى الانفصال عن العراق ضمن مخطط التقسيم الاثني والتفتيت الديني والطائفي، ودعم مشاعر الانفصال وإعلان دولة قومية وتنشيط قوى كردية عراقية على اتخاذ إجراءات عملية وتغييرات جيوسياسية بهذا الشان، والعمل معها على هذه التصورات بكل الأشكال العلنية والسرية، وعبر مختلف القنوات والوسائل، بما فيها من خلال منظمات الإعانة والمساعدات الإنسانية أو المنظمات غير الحكومية، الأمر الذي يثير حفيظة تركيا خصوصا لارتباط الموضوع بمصير الأكراد (12 مليوناً في تركيا، حسب الإحصاءات الإعلامية الأمريكية)، وتحركات (حزب العمال الكردستاني) في الأراضي التركية ومصير التركمان والاقليات الأخرى بشمال العراق وصلاتها بمكوناتها المشتركة بتركيا. ونشرت وسائل إعلام مختلفة تركية وعربية عن شراء مجموعات صهيونية لاراض عراقية وبناء قواعد عسكرية وأجهزة رادار وتنصت في مناطق شمال العراق، بالقرب من الحدود التركية والإيرانية والسورية العراقية، حيث تهيمن الأحزاب الكردية العراقية على تلك المنطقة، كما نشر عن مثل تلك النشاطات الصهيونية الإسرائيلية في مناطق أخرى من العراق بعد الاحتلال، بما فيها أو بغطاء مركز للدراسات، ومؤسسة لجمع التراث اليهودي والوثائق اليهودية التي كانت الجالية اليهودية تمتلكها أو تتعلق بشئونها العراقية. أما بخصوص إيران فما نشرته صحيفة صنداي تايمز مؤخرا، كمصدر جديد وإشارة تأكيد من وجود مخططات إسرائيلية ضد المفاعل النووي الإيراني انطلاقا من أراضي العراق أو التجسس عليها منها شكل اكثر من خطر فعلي على سلامة الأمن فيها وحماية أراضيها من الاعتداء المباشر والتهديدات مستمرة بخصوص مفاعلها النووي. وزعمت الصحيفة أن الكيان الإسرائيلي ناقش الخطط مع مسؤولين أمريكيين، لم يظهروا أي اعتراض تجاه الخطط الإسرائيلية وانهم لن يقفوا في طريقها حالة فشل الجهود الدولية لوقف المشاريع النووية الإيرانية. وفي الوقت الذي أكدت فيه الحكومة الاسلامية بطهران أن المشاريع النووية هي للأغراض المدنية السلمية، إلا أن الكيان الصهيوني يقود حملة دولية لمنع إيران من التقدم العلمي والتقني بهذا المضمار، من خلال الادعاء بأنها مصممة لإنتاج السلاح النووي. في الوقت نفسه رفضت الإدارة الأمريكية التفاوض مع إيران وطالبتها، كما تريد الحملة الصهيونية، بوقف استمرار مشروعها العلمي النووي مع تهديدات مستمرة من أوساط أمريكية وخاصة من المحافظين الجدد ونائب الرئيس ديك تشيني الذي يصر على ضرورة ضرب إيران وتدمير مفاعلها النووي. ورغم أن أوروبا تحاول من خلال الترويكا الأوربية (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا) الحوار مع إيران لإقناعها بالعدول عن الاستمرار بمشروعها النووي وإغرائها بمساعدات اقتصادية، وتفاوت تلك المحاولات التي وصلت مؤخرا الى اشبه بالقطيعة بينها وبين التقاطع مع التهديدات الغربية الصهيونية بشكل عام، يرى سيمور هيرش من خلال معلوماته أن الهدف الثاني بعد احتلال العراق هو إيران. ومثله أشار الباحث ايفان إلاند، Ivan Eland مدير معهد السلام والحرية في اوكلاند، كاليفورنيا، بمقالته المعنونة: الهدف القادم إيران. ورغم نفي مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي رعنان غيسين، ما جاء في تقرير الصحيفة، لـ يونايتد برس انترناشونال ذاكرا أن ما نشر هو مجرد تخمين وقصة مختلقة، وان حكومته أعلنت في الماضي موقفها المعارض للبرنامج النووي الإيراني لكنها أكدت في الوقت ذاته انه يتوجب حل القضية من خلال القنوات الدبلوماسية. بينما قال عضو الكنيست افرايم سنيه من حزب العمل للقناة التلفزيونية الإسرائيلية الثانية تعقيبا على ما نشر في الصحيفة البريطانية أن دولته لا يمكنها الموافقة على حيازة إيران لسلاح نووي. وأن عملية عسكرية - ضد منشآت نووية إيرانية - هي مخرج أخير يتوجب قبله استنفاد كافة الإمكانيات الأخرى. واعتبر قائد سلاح الجو الأسبق ايتان بن الياهو انه من الخطأ الاعتقاد أن "إسرائيل" ليست متهيئة لاحتمالات متعددة في "الشرق الأوسط" وبينها إمكانية قصف منشآت نووية في إيران. وأشار بن الياهو في حديث لموقع معاريف الإلكتروني إلى أن تنفيذ هجوم في إيران سيكون عملية معقدة وخطيرة أكثر من عملية قصف المفاعل النووي العراقي في العام 1981. وأوضح بن الياهو انه منذ قصف المفاعل العراقي تسلح سلاح الجو الإسرائيلي بوسائل متطورة للغاية. وذكر الباحث الأمريكي إلاند في مقالته بان إيران استفادت هي الأخرى من طرائق قصف الكيان للمفاعل العراقي في حماية وتطوير عملية بناء مفاعلها. هذه الصورة المحيطة بإيران دفعتها، إضافة إلى مواقفها المعارضة للسياسة الأمريكية عموما، إلى عدم الترحيب بمخططات غزو العراق وإدخال قوات أمريكية إليه لتصبح جارة لها، وعلى أبوابها الغربية وتحمل شعاراتها المعروفة عنها بمحور الشر والدولة المارقة، رغم حربها الطويلة مع العراق، وعدائها التقليدي لنظامه ورئيسه.فرض هذا التواجد المباشر خطرا عمليا على أمن واستقرار المنطقة وحرض الموقف الإيراني الرافض وعدم السماح التركي للقوات الأمريكية بالدخول عبر أراضيها على صناعة أحقاد أمريكية جديدة عليهما من جهة، وأجبرتها على تغيير خططها العسكرية من جهة أخرى، بحيث اعترف دونالد رامسفيلد في الذكرى الثانية لغزو العراق بتأثير القرار التركي وحمله مسئولية تصاعد المقاومة العراقية في المناطق التي لم تدخل عليها القوات الأمريكية من الشمال العراقي مرورا بتركيا. ولم يعوض التعاون الأمريكي الكردي العراقي الذي، حسب إمكاناته، كان كبيرا وقدم مساعدات واسعة، بما فيها بناء مطارات عسكرية، للقوات الأمريكية في احتلال الشمال العراقي والتقدم أمامهم عسكريا وميدانيا، ويبدو أن هذا الموقف أعطى الأكراد العراقيين دعما غير محدود لمطالبهم من الإدارة الأمريكية بالعراق، أو هكذا رغبوا وتصوروا الأمر وتسارعوا إلى استغلاله بكل ما لديهم من قدرات متاحة أو مجالات سياسية وتاريخية، ومن بينها الاستجابة لطلب الأكراد في مجلس الحكم المعين رفض استقدام وحدات عسكرية تركية لحفظ السلام والأمن بالعراق. بالضد من محاولات تركية متعددة للمساهمة مع قوات الاحتلال الأمريكية وحلفائها بالعراق، بعد إعلان احتلاله رسميا بقرار من مجلس أمن الأمم المتحدة. حيث كان مقترحا أن ترسل تركيا 12 ألف عسكري تركي إلى العراق، ورغم الاحتجاجات الشعبية التركية وأعضاء أحزاب برلمانية معارضة في البرلمان التركي لها، حيث أشارت إلى لا مشروعية الاحتلال قانونيا، وتوقع أن يتحول الجنود الأتراك إلى أهداف للمقاومة العراقية، وكان استفتاء قد أشار إلى أن اكثر من 60 بالمائة من الرأي العام التركي المستفتى ضد ارسال قوات تركية إلى العراق. وكان السيد رجب طيب اردوغان، رئيس الوزراء التركي، قد وضح في ندوة تلفزيونية عدم وجود جدول سري للقوات التركية التي أريد إرسالها للعراق، كقوة لتقديم مساعدات إنسانية وليست كقوة احتلال. وشكلت مدينة كركوك الشمالية العراقية منطقة التجاذب التركي الكردي العراقي، لعوامل كثيرة من أبرزها الأقلية التركمانية (حوالي مليون نسمة، حسب التقارير الأمريكية الصحافية) فيها إضافة إلى آبار النفط والغاز المعروفة به، حيث يطالب الأكراد بضمها لإقليم كردستان العراق، بينما يعتبرها التركمان والعرب والكلدو آشوريون من سكانها مدينة عراقية ويرفضون ضمها إلى الإقليم الكردي ويقولون بالضد من المخططات الكردية ويتهمونها بمشاريع تقسيم للعراق، ويستغلها الأتراك بين آونة وأخرى في التهديد والتحذير من تغيير تركيبتها القومية أو موقعها الجغرافي السياسي، وتشجيع الأحزاب التركمانية بكل ألوانها للدفاع عن أهدافها والمصالح الاستراتيجية التركية في آن واحد. فضلا عن التحذير من دعم حزب العمال الكردستاني في تركيا، في الوقت الذي تعلن تركيا من تأثر اقتصادها، الذي تعرض لهزات وخسائر جسيمة قبل الحرب والاحتلال، حيث كانت تدخل ميزانية تركيا البلايين من الدولارات من التجارة البينية ومرور النفط العراقي عبر موانئها. وقد قدمت واشنطن لأنقرة قرضا سنويا بقيمة 8.5 بليون دولار دعما واستجابة في إطار علاقات التعاون العسكري والإمدادات لقوات الاحتلال بالعراق عن طريق تركيا، وخارجها في مناطق أخرى تلعب تركيا دورا مؤثرا في مجالات سياسية أو عسكرية تستهدفها المخططات الأمريكية والصهيونية الاستراتيجية.ورغم أن الولايات المتحدة الأمريكية قد وضعت حزب مؤتمر الحرية والديمقراطية الكردستاني على لائحتها للإرهاب كمنظمة إرهابية، إلا أنها في نفس الوقت لا تعمل بما يتفق مع غيره من المنظمات، وهذا ما أشار له رئيس الوزراء التركي اردوغان في اكثر من مناسبة ولقاء إعلامي. وفي 3 أيلول/ سبتمبر 2004 صرح اردوغان بان حكومته فقدت صبرها أمام استمرار أمريكا بالتعامل السياسي مع "رجال العصابات" الأكراد في تركيا والمقيمين في شمال العراق، معلقا على تطمينات مستشارة الأمن القومي الأمريكي سابقا كوندوليزا رايس التي ذكرت بأنها تعمل من اجل تحويل بديل حزب العمال الكردستاني إلى حزب غير عسكري. وترى أوساط تركية نافذة بان سياسة الولايات المتحدة ضد الإرهاب وحملتها الدولية مزدوجة المعايير، لا تمارس نفس الضغوط على مؤتمر الحرية والديمقراطية الكردستاني. بل وصل الأمر إلى إعلان تصريح اعتبر حادا في نقده من قبل رئيس الوزراء التركي اردوغان، الذي طالب إضافة إلى اعتبار الحزب الكردي حزبا إرهابيا، إلى وضعه هدفا من بين أهداف الحملة العالمية ضد الإرهاب التي تقودها
الولايات المتحدة وتشاركها تركيا فيها.مقابل ذلك تسهر إيران على تقديم كل ما يخدم مصالحها الاستراتيجية للقوى المعارضة للنظام العراقي، سواء التي مقارها على الأراضي الإيرانية أو خارجها، وتلتقي معها في برامجها السياسية أو الأيديولوجية. مثل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بالعراق، وجناحه العسكري، منظمة بدر، التي ساهمت قوات إيرانية بإعدادها وتجهيزها عسكريا وبشريا. وكذلك حزب الدعوة الإسلامية وانشقاقاته المتعددة، ومنظمة العمل الإسلامي، فضلا عن الدعم المعروف للقوى الكردية، القومية والإسلامية منها، وغيرها من احزاب ومنظمات وتيارات موالية لها او متحالفة معها. وقد وفرت طهران قاعدة خلفية لمثل هذه القوى والفصائل المعارضة للنظام بالعراق، وسهلت لها سبلا متنوعة لاستغلالها في صراعها مع بغداد قبل الغزو والاحتلال. ودفعتها استراتيجيتها الإقليمية إلى استغلال كل الإمكانات التي تنفذها أو تخدم مصالحها، فلم تمنعها من الدخول في التحالفات المشتركة الوطنية والإقليمية والدولية. حتى السماح لممثلي الأحزاب الإسلامية المحسوبة عليها بالتفاوض مع الإدارة الأمريكية التي قادت لقاءات المعارضة العراقية خارج العراق، في اجتماعات بيروت وفينّا وصلاح الدين ولندن والاتفاق معها في مخططاتها التي تحدثت علنا بإسقاط نظام بغداد وغزو العراق عسكريا.كانت مشاركات الأحزاب المذكورة في اجتماعات المعارضة العراقية أو لقاءات واشنطن مع أركان الإدارة الأمريكية وأجهزة مخابراتها استمرارا مدروسا وليس صدفة اعتباطية أو اجتهادات فردية لقيادات عرفت بارتباطاتها المتنوعة بالإدارة الإيرانية وعلى مختلف مستوياتها. وقدمت هذه الأحزاب جهودا كبيرة في مخططات غزو العراق وإسقاط نظامه، من باب معارضته والعداء له ومن باب الإسناد المتنوع لها في خدمة المصالح والاستراتيجية الإيرانية والأمريكية المشتركة والمتعارضة أيضا، لاسيما شخصيات سياسية معينة أسهمت بإصدار قرار الكونغرس الأمريكي المسمى "تحرير العراق" أو التعاون مع قوات الاحتلال أثناء عمليات الغزو والاحتلال، والتخابر المتبادل الذي كشف فيما بعد وتسترت عليه الأطراف نفسها ذات الشأن بعد تحقيق هدف إسقاط النظام العراقي وتواجد اكثر من مائتي ألف عسكري أمريكي وحلفائهم على الأرض العراقية. وكذا فعلت تركيا مع الأحزاب القريبة منها.من كل ما سبق يظهر أن الوضع الإقليمي قبل وأثناء إحتلال العراق كان متنوعا بين التجاذب الرئيسي بين مخططات غزو واحتلال العراق وبين قرارات سيادية إقليمية لها أبعادها المحلية والأيديولوجية والتاريخية وتعارضات محلية كانت ترتبط بتلك المخططات وتلك الدول بأشكال وحجوم وخطوط مختلفة، إلا أنها كلها كانت أمام أمور مخططة ومبيتة ومحسوبة فرضت رهانات قاسية واختبارات صعبة عليها. وخلاصة الوضع الإقليمي الارتباك الكبير بين المبادئ والقيم المشتركة وبين التحالفات التكتيكية السياسية مع القوى الخارجية الغربية التي لها مصالحها ومآربها والتي على ضوئها تعمل وتحارب وتبذل المال والدم وتريد من حلفائها دفع ثمن التحالفات وانتظار العطايا بعد إعلان الانتصار.لقد احتلت الإدارة الأمريكية وحلفاؤها البريطانيون وغيرهم العراق ودمروا دولته وانزلوا قواتهم فيه لتصبح قوة عسكرية فعلية فيه وعلى حدود الدولتين الجارتين له، واصبح لهذه القوات دورها في رسم الخارطة للمنطقة والتأثير على قراراتها، ولكن ليس كل ما تتمناه واشنطن وحلفاؤها وتخطط له ينجح ويستمر، لاسيما إذا كان، كما هو حال الغزو والاحتلال، بالضد من إرادة الشعوب، والشعب العراقي أساسا.لقد وضع الاحتلال تركيا وإيران في وضع محرج لكل منهما، مع تباينات استراتيجية في علاقاتهما المتبادلة مع قوات وإدارة الاحتلال، كما أن استمراره سيضيف لهما أعباء غير قليلة وتكاليف ثقيلة ماديا ومعنويا، ورغم كل ما يحاولان به من مناورات أو تعاملات لا يشفي غليل المحتل ولا ينهي خططه المرسومة للمنطقة، مع اختلاف كل بلد عن غيره بحسب عضويته وقربه أو بعده عن تلك المخططات. فإيران غير تركيا بالتأكيد عند صناع القرار بالبيت الأبيض والبنتاغون، ولكن "مشروع الشرق الأوسط الكبير" و خطط الهيمنة الصهيو أمريكية عليه لا يفرق بينهما كثيرا من حيث ضمهما وإدماجهما فيه. وقد يكون موقفهما من رفض التعاون المباشر والمشاركة الفعلية العسكرية في تنفيذه عسكريا وأولا بالعراق قد يدعم نهج المتشددين في الإدارة ضدهما وقد لا يشفع لهما اعترافهما المبكر بالأمر الواقع بعد الاحتلال واستقبال وفود من أعضاء الحكم العراقي الذين عينهم الحاكم الأمريكي بالعراق بعد الاحتلال. فما تقدمه المؤشرات الجديدة الآن من صعوبات وورطة أمريكية حقيقية بالعراق وخسائر جسيمة تدفع باتجاه "الانسحاب المشرف"، كما صرح الرئيس الأمريكي بوش مؤخرا، له عواقب وحسابات أخرى، قبل أو بعد إعادة النظر بالمخططات ومعالجتها بأشكال مختلفة، بعد "استقرار" التشكيلات السياسية واستكمال بناء القواعد العسكرية الاستراتيجية وتفعيل أدوار الدول في خارطة الوضع الإقليمي والدولي.