الأحد، 1 يوليو 2007

كيف تفسر فظائع الاحتلال .. ولماذا الصمت عليها؟

فُسر في حينها، قبل أكثر من اربع سنوات، ان الولايات المتحدة الامريكية حين غزت العراق واحتلته وقامت بما قامت به من استخدام "الصدمة والترويع" في اذلال شعبه وتدمير دولته والتصرف داخله بمشاركة دول حليفة تدعي انها حضارية وانسانية ولها دور في السياسة العالمية وتدافع عن الحريات وحقوق الانسان والديمقراطية وغيرها من الشعارات الخادعة التي اهانتها بتطبيقاتها العراقية اليوم، بأنها تجاوزت ميثاق الامم المتحدة والقانون الدولي والشرعية الدولية ولابد ان تعيد الامم المتحدة مكانتها باصدار قرار تعتبر به ما تم بالعراق احتلالا وتكلف القوات الغازية القيام بمهمات قوي الاحتلال وتطبيق قواعده وقوانينه والاتفاقيات المتعلقة به. وهو ما تحقق فعلا، وحينها صمت العالم علي هذه الجريمة وكأنها تحصيل حاصل، رغم بعض الخربشات الاوروبية والروسية التي اتاحت من جهة اخري ظروفا مناسبة لخدمة الاحتلال ومخططي ومشرعي خطواته. وكشفت بعدها فضائح كثيرة تثبت بأدلتها حجم الجريمة وابعادها واهدافها ومن اشترك فيها ودعمها، باشكال مسجلة بوثائقها وسجلات دوائرها. وهو كاي احتلال في التاريخ مارس ابشع صوره الاستعمارية، فكيف اذا جاء بخطط ومشاريع امبراطورية صهيو امريكية واحقاد دينية وايديولوجية تاريخية وجغرافية وروح انتقام وحقد ديني وشخصي وسياسي اضافية، عبر عنها بهفوات اللسان او بقرارات رسمية ميدانية؟.
مهما يكن، فالاحتلال جريمة عدوان ارتكبتها اكبر دولة في العالم، تدعي انها الدولة العظمي التي تريد ان تستفرد بالهيمنة علي الكرة الارضية وتدير سياستها بعد انتهاء عصر القطبية، وابتدأته بما يخالف مفهوم العالمية والاستقطاب ولا يعكس تفهما انسانيا للعصر والتطورات وحقوق البشرية والزمن الذي هي فيه، وعبّر بوقائعه عن وحشية وتطرف وارتكابات جسيمة وخطيرة. ومنذ اليوم الاول لقرارات غزو افغانستان والعراق وارخاء الحبل للآلة العسكرية الصهيونية بفلسطين لاقتراف ما حصل من جرائم ابادة وعنصرية وعقاب جماعي زلزالي، وتكراره من قبل قواتها بالعديد من البلدان، مارست هذه الدولة العظمي دورا خطيرا علي البشرية وعلي القانون والاعراف والاتفاقيات وكل ما يصون السلم والامن ويحافظ علي الاستقرار والعمل المشترك، مسجلة بتطبيقاتها المفزعة، مما يتطلب الان اكثر من اي وقت محاسبتها عليها، وعدم الصمت. فالفظائع والفضائح والمجازر والكوارث المتتالية خطر دائم ولا يمكن ان يستمر او يُسكت عنه. ولابد من تحميله لمرتكبيه وتطبيق ما اتفقت عليه البشرية من مواثيق وقواعد دولية بحقهم.
والسبيل الي ذلك هو العمل علي تفعيل اعتراف امين عام الامم المتحدة السابق كوفي عنان، قبيل انتهاء مدته، في لا قانونية الاحتلال وغزو العراق، وشجب صمته وغيره عليه، وتخليه عن واجباته المنصوص عليها قانونا داخل المؤسسة الدولية التي شرعته، واستنكار ارساله لوفود ممثلة له الي الدولة المحتلة بلا شرعية قانونية من منظمته الدولية، وتنبيه خلفه الي ذلك، ووضع الاعتراف امام المحاكمة الدولية، والاعتبار من درس الخسارة الفادحة لممثل المنظمة المشهود له برمزيته الاممية بالعراق (سيرجو دي ميلو)، والحال الذي كاد يتكرر مع الامين العام الجديد بنفسه، وصوره وهو يلملم اوراقه بأول زيارة له لبغداد المحتلة، تحت وقع القصف، دون ان يعترف واقعيا، ستبقي طويلا، وستقول ان سلوكه مخالفة اخري لمسئولي المنظمة الدولية والقانون الدولي في تطبيقاتهم العملية، وهذا ما يحزن حقا.
صمت الامم المتحدة وتخليها عن تطبيق مفردات قراراتها، حتي التي اصدرتها حول العراق بعد الاحتلال، ومشاركتها في استمراره واقعيا والتفرج علي انتهاكاته العلنية والسرية للقانون الدولي والانساني وحقوق الانسان لا يشفع لها تاريخيا وقانونيا وانسانيا، ويضعها هي الاخري امام المسئولية والمساءلة القانونية، مثلها مثل اصحاب قرارات الاحتلال واستمراره في البيت الابيض والبنتاغون ومن تحالف معهم. ورغم القول بتحولها الي دائرة تابعة للخارجية الامريكية وتسلم اوامرها منها، وهو امر صارخ ومؤلم علي مختلف الاصعدة، الا انها تظل منظمة دولية تشارك فيها الدول كلها، دائمة العضوية او صاحبة القرارات الدولية في الشئون العالمية الاخري وغيرها، وتظل عليها مسئولية دولية وتاريخية لا يمكن التغاضي عنها الان، وكيلا تتحول هذه الاجراءات او التصرفات "الفردية" الي قواعد جديدة للمنظمة وللقانون الدولي. فجرائم الاحتلال واستمرار قواته في الوجود والعمل وبناء القواعد العسكرية، من جهة، والاخلال بالامن واثارة الصراعات او المشاركة الفعالة في تأجيج النزاعات الداخلية وتحريك كوامنها وافتعال مبرراتها والتصرف معها من مواقع القوة العسكرية المفرطة في القصف والقتل والابادة، من جهة اخري، ومن ثم المساهمة في التهجير والتفجير علي اسس وقواعد عمل استعمارية معروفة، تاريخيا، خاصة في البلدان الغنية بتعدديتها الاثنية والدينية كالعراق، واستخدامها كذرائع اخري لاستمرارها وبقائها وتدمير البلاد والعباد بما لديها من امكانات عسكرية متفوقة ومخططات ومشاريع عدوانية خطيرة، تبقي جرائم مدانة ويجب محاكمتها وتحميل المسئوليات فيها.
جريمة الاحتلال وممارساته اليومية المتولدة منها وما يقر به اركان وفلول عصابات اتخاذه واسناده من "ارتكاب الاف الاخطاء"، حسب مصطلحاتهم، والاعتراف بفظائع شنيعة كما حصل بأبو غريب مثلا تدفع الي التفكير بما بعدها، وما هي تداعياتها واثارها وعواقبها، ومن ثم ضرورة كشفها والاعلان عنها، من جانب، ومحاكمة مقترفيها علنيا ووفق القانون الدولي وليس الامريكي المحلي من جانب اخر، اذ ان الصمت عليها، او التغاضي عنها، يزيدها ويوفر مناخات الامعان بها ضد حقوق الشعب المبتلي بها والصابر علي قساوتها وفزعها ووحشيتها، ويمنح المجرمين فرص التهرب من تحمل المسئولية القانونية والاخلاقية. وظواهر الهجرة والتهجير، والاعتقالات العشوائية والسجون والتعذيب والاغتيالات والتصفيات الجسدية والقتلي مجهولي الهوية والمفخخات المقصودة والمبرمجة وفق نظريات الاستعمار واساليبه التفتيتية واهدافه المعلنة والسرية في نهب الثروات والخيرات وتضييع الفرص وتبديد الطاقات وتدمير الخدمات والامن والامان واشاعة الفوضي وغيرها من الحالات التي ابتكرها تاريخيا واستفاد منها من تجاربه في اكثر من مكان، من فييتنام الي هندوراس، ومن كوريا الي تشيلي، ومن سيراليون الي السلفادور وغيرها من الخبرات الاستعمارية العدوانية، هي من الجرائم التي يصعب الصمت عليها، ولابد من اشهارها ومقاضاتها فورا ودون ابطاء وتكبيد ضحاياها خسائر اضافية.
اي تمرير للجرائم، مهما كانت وأين حدثت، لا يخدم الا مرتكبيها وقد يوفر لهم اجواء التفنن بها، وهو انتهاك قانوني يتوجب كشفه والمطالبة بمحاسبة كل مرتكب ومنعه وادانته علنا والوقوف دائما ضد استمراره، ويتطلب من الامم المتحدة، والمنظمات الانسانية والمدافعة عن حقوق الانسان خصوصا، ان تعيد لدورها العالمي مكانته في فضح الفظائع ومحاكمتها من اجل الحق والعدل والكرامة ونبذ الهيمنة والاحتلال والاستغلال.