السبت26/5/2007
اثمر الاحتجاج والجدل داخل حزب العمال الجديد الحاكم بالمملكة المتحدة، والرأي العام البريطاني اجبار رئيس الوزراء توني بلير (54 عاما) علي التنحي مبكرا، وقبوله الاستقالة من رئاسة الحزب، ومن ثم الحكومة، حسب القواعد المعمول بها بالنظام السياسي. وتوني بلير تسلم رئاسة الحزب عام 1994 وفاز بانتخابات عام 1997 معيدا حزب العمال الي الحكم بعد خسارة ثلاث فترات انتخابية كانت من حصة حزب المحافظين. وعند فوزه اعلن تغييرات واسعة في البنية التنظيمية والسياسية للحزب والنظام عموما. فقد اضاف الي اسم الحزب كلمة الجديد، وحذف او اختصر مواد من نظامه وبرنامجه المتعلقة بالاشتراكية والقطاع العام والرفاه الاجتماعي، وقربه بسياساته الي يمين الوسط، او ما سماه بالطريق الثالث، ونظر له في هذا الشأن. مستقويا علي التيارات اليسارية والعمالية الحقيقية فيه، وممارسا عمليات تصفية متواصلة لبناه الفكرية وسياساته الاقتصادية، موسعا من الفوارق الطبقية رغم الانتعاش الاقتصادي بشكل عام. ذاكرا ذلك كمنجزات له حققها بفترات حكمه السابقة، والتي لم تزكه امام عقوبات الرأي العام له ولحزبه في الانتخابات المحلية والبرلمانية والاضرابات والتظاهرات المطلبية. في كلمته التي استغرقت 15 دقيقة استعرض بلير المنجزات التي حققها خلال فترة رئاسته الحكومة منها تحديد معيار أدني للأجور وتطبيق نظام الأجازات بالمرتب وتمكين الشاذين جنسيا من التمتع بالحقوق التي يتمتع بها الآخرون هذا إلي جانب التحسن الذي طرأ علي الاقتصاد البريطاني والزيادة المستمرة في دعم الطب والتعليم.
اذا كانت تلك انجازاته في سياساته الداخلية، فان انجازاته الاخري مثل تطور عملية السلام في إيرلندا الشمالية وفيما يسميه مكافحة الإرهاب وقضية التغيرات المناخية والمساعدات للقارة الأفريقية لم تحقق له ما ابتغاه منها شعبيا، وكأنها غير موجودة امام مشاركته التبعية للحرب علي العراق وسياسات الرئيس الامريكي بوش في الحرب والعدوان وقيامه بمهمات سفير امريكي في ترويج السياسات الامريكية، والتي فاقمت غضب الشعب عليه وانعكست في اكبر التظاهرات الشعبية في لندن، والي وصفه في وسائل الاعلام البريطانية بالكلب المدلل للرئيس الامريكي بوش. ودافع عن سياساته هذه بقوة متحججا بأنها لمصلحة بلاده القومية والاستراتيجية، ولم يعتذر عنها، رغم كل الخسائر المالية والبشرية التي سببتها، ورغم استقالة العديد من قيادات وسياسي حزبه وحكومته بسببها والتضليل الذي مارسه بشأنها. كما لعب دورا تابعا في الكثير من الحروب التي شنتها الولايات المتحدة الامريكية في يوغسلافيا ورواندا والعراق وافغانستان ولبنان، وكذلك في دعم سياسات واشنطن العسكرية واللاأخلاقية، في السجون والمطارات وامدادات الاسلحة وغيرها.
اعلان بلير تنحيه عن السلطة بعد عشر سنوات امضاها كرئيس للحكومة البريطانية، في دائرته التمثيلية سيدجفيلد، في بلدة تريمدون، ختم قيادته السياسية الحزبية فيها، منذ بداية وصوله الي رئاسة حزب العمال في 11 يونيو 1994مذكرا وسط التصفيق "لقد عدت الي المكان الذي انطلقت منه مسيرتي السياسية وحيث ستنتهي. ان الحزب سينتخب الان رئيسا جديدا في 27 يونيو".
يغادر منصبه هذا في منتصف ولايته الثالثة وقبل سنتين من الانتخابات التشريعية المقبلة. وهو امر مناقض لما هو عليه الوضع الاعتيادي او الطبيعي في مثل موقعه ودوره واعادة انتخاب حزبه للفترة الثالثة، سياسيا وتاريخيا. كما انه درس مهم له وللسياسة البريطانية والاوروبية. وسيستفيد هو من الفترة هذه بانجاز اخر زياراته الرسمية ومشاريعه اللاحقة، التي خطط لها او تخطط له. بينما سيكون وزير المالية غوردون براون (56 عاما) خليفته في الحزب والحكومة الي حين تنظيم الانتخابات المقبلة، بصفته رئيس الحزب الذي يملك غالبية حاليا في مجلس العموم.
براون المرشح الفائز او الخلف المصوت عليه حزبيا وسلفا، وعمليا اصبح رديفا لبلير، حيث استمر بلير وأُقر براون خلفا له في نفس الفترة التي وضعت لتداول الادوار. وكان براون قد وصف عهد بلير ب "الانجازات الفريدة" و"القيادة الفريدة"، الا انه بديهيا لا يكون نسخة منه رغم انه مساعده الاساسي في الكثير من سياساته، وقد يحاول ان يرسم له وللحزب خططا اخري.
تميز أسلوب بلير في الادارة الرئاسية وتجاوز او اضعاف الثقة او خداع الاغلبية في البرلمان والتصرف بمبادراته المتعارضة مع النظام السياسي التقليدي، مما أثار معارضة شديدة داخل البرلمان وحزبه ايضا، ادت الي هذه النتائج، ولكنه كان يبرر ما يقوم به ويجد ما يفسر له اجراءاته وعلاقاته مع الادارة الامريكية، بطريقته الخاصة وبشبكة مستشاريه التي سرعت ممارساتها من جهة اخري في فرض التنحي عليه مبكرا.
حتي في ايامه الاخيرة ونشاطه الواسع لم ينج من انتقادات حادة واعادة نظر سياسية لم تكن لصالحه في نتائجها او تحليلاتها الاستراتيجية. ولعل تصريحات الرئيس الامريكي السابق الديمقراطي جيمي كارتر عنه في هيئة الاذاعة البريطانية مؤخرا تضع مسمارا اخر في نعش توديعه، عكس ما كان منتظرا او متأملا له في تحركاته الاخيرة. قال كارتر إن دعم بلير للرئيس الأمريكي بوش كان "علي ما يبدو فيه الكثير من الخنوع". وقال إن الدعم "علي طول الخط تقريبا" من جانب بريطانيا ل"السياسات المبنية علي سوء المشورة للرئيس بوش في العراق كانت مأساة رئيسية بالنسبة للعالم". وكرر كارتر هنا ما كان مصرحا به سابقا وفي اكثر من مكان، مشيرا الي خطل تلك العلاقة بين بلير والادارة الامريكية وما نتج عنها من ويلات ستظل اثارها باقية لفترات طويلة.
اذا كانت هذه التقييمات لفترة بلير ودوره خلال العشر سنوات الماضية، والتي فرضت عليه ما ال اليه مصيره السياسي فيها، وهي في التقييم الاخير سلبية، فماذا سيكون عليه وضعه بعد عشر سنوات اخري؟ وماذا سيكتب او يقول هو عنها؟ خاصة اذا صحا ضميره وكشف الاوراق؟. بانتظار ذلك لابد من القول ان دماء ملايين البشر التي كانت سياساته سببا في اراقتها ستظل ثقيلة علي راحتيه، ومهما ادعي غير ذلك وكابر، وهذه سمة غالبة عند الكثيرين من السياسيين الغربيين، ردحا من الزمن فان الحقائق ستتكشف بعد حين او بعدهم، ولكن للاسف بعد فوات الاوان والخراب والخسران.
بلير بعد ازنار وبرليسكوني والعشرات من المحافظين الجدد الذين سقطوا من المشهد السياسي بسبب مشاركتهم بغزو العراق اساسا، واستمروا فترة باحتلاله ورأوا بأعينهم ما انجزته خططهم ومشاريعهم وما حل بالعراق من جرائها، لا يكفي انهم اجبروا علي الرحيل من مواقعهم، اذ المطلوب متابعتهم قانونيا ومحاكمتهم، فالمأساة التي حلت والكارثة التي يعيشها الشعب العراقي والعالم ايضا تتطلب الا تمر عواقبها بسهولة عليهم.
اثمر الاحتجاج والجدل داخل حزب العمال الجديد الحاكم بالمملكة المتحدة، والرأي العام البريطاني اجبار رئيس الوزراء توني بلير (54 عاما) علي التنحي مبكرا، وقبوله الاستقالة من رئاسة الحزب، ومن ثم الحكومة، حسب القواعد المعمول بها بالنظام السياسي. وتوني بلير تسلم رئاسة الحزب عام 1994 وفاز بانتخابات عام 1997 معيدا حزب العمال الي الحكم بعد خسارة ثلاث فترات انتخابية كانت من حصة حزب المحافظين. وعند فوزه اعلن تغييرات واسعة في البنية التنظيمية والسياسية للحزب والنظام عموما. فقد اضاف الي اسم الحزب كلمة الجديد، وحذف او اختصر مواد من نظامه وبرنامجه المتعلقة بالاشتراكية والقطاع العام والرفاه الاجتماعي، وقربه بسياساته الي يمين الوسط، او ما سماه بالطريق الثالث، ونظر له في هذا الشأن. مستقويا علي التيارات اليسارية والعمالية الحقيقية فيه، وممارسا عمليات تصفية متواصلة لبناه الفكرية وسياساته الاقتصادية، موسعا من الفوارق الطبقية رغم الانتعاش الاقتصادي بشكل عام. ذاكرا ذلك كمنجزات له حققها بفترات حكمه السابقة، والتي لم تزكه امام عقوبات الرأي العام له ولحزبه في الانتخابات المحلية والبرلمانية والاضرابات والتظاهرات المطلبية. في كلمته التي استغرقت 15 دقيقة استعرض بلير المنجزات التي حققها خلال فترة رئاسته الحكومة منها تحديد معيار أدني للأجور وتطبيق نظام الأجازات بالمرتب وتمكين الشاذين جنسيا من التمتع بالحقوق التي يتمتع بها الآخرون هذا إلي جانب التحسن الذي طرأ علي الاقتصاد البريطاني والزيادة المستمرة في دعم الطب والتعليم.
اذا كانت تلك انجازاته في سياساته الداخلية، فان انجازاته الاخري مثل تطور عملية السلام في إيرلندا الشمالية وفيما يسميه مكافحة الإرهاب وقضية التغيرات المناخية والمساعدات للقارة الأفريقية لم تحقق له ما ابتغاه منها شعبيا، وكأنها غير موجودة امام مشاركته التبعية للحرب علي العراق وسياسات الرئيس الامريكي بوش في الحرب والعدوان وقيامه بمهمات سفير امريكي في ترويج السياسات الامريكية، والتي فاقمت غضب الشعب عليه وانعكست في اكبر التظاهرات الشعبية في لندن، والي وصفه في وسائل الاعلام البريطانية بالكلب المدلل للرئيس الامريكي بوش. ودافع عن سياساته هذه بقوة متحججا بأنها لمصلحة بلاده القومية والاستراتيجية، ولم يعتذر عنها، رغم كل الخسائر المالية والبشرية التي سببتها، ورغم استقالة العديد من قيادات وسياسي حزبه وحكومته بسببها والتضليل الذي مارسه بشأنها. كما لعب دورا تابعا في الكثير من الحروب التي شنتها الولايات المتحدة الامريكية في يوغسلافيا ورواندا والعراق وافغانستان ولبنان، وكذلك في دعم سياسات واشنطن العسكرية واللاأخلاقية، في السجون والمطارات وامدادات الاسلحة وغيرها.
اعلان بلير تنحيه عن السلطة بعد عشر سنوات امضاها كرئيس للحكومة البريطانية، في دائرته التمثيلية سيدجفيلد، في بلدة تريمدون، ختم قيادته السياسية الحزبية فيها، منذ بداية وصوله الي رئاسة حزب العمال في 11 يونيو 1994مذكرا وسط التصفيق "لقد عدت الي المكان الذي انطلقت منه مسيرتي السياسية وحيث ستنتهي. ان الحزب سينتخب الان رئيسا جديدا في 27 يونيو".
يغادر منصبه هذا في منتصف ولايته الثالثة وقبل سنتين من الانتخابات التشريعية المقبلة. وهو امر مناقض لما هو عليه الوضع الاعتيادي او الطبيعي في مثل موقعه ودوره واعادة انتخاب حزبه للفترة الثالثة، سياسيا وتاريخيا. كما انه درس مهم له وللسياسة البريطانية والاوروبية. وسيستفيد هو من الفترة هذه بانجاز اخر زياراته الرسمية ومشاريعه اللاحقة، التي خطط لها او تخطط له. بينما سيكون وزير المالية غوردون براون (56 عاما) خليفته في الحزب والحكومة الي حين تنظيم الانتخابات المقبلة، بصفته رئيس الحزب الذي يملك غالبية حاليا في مجلس العموم.
براون المرشح الفائز او الخلف المصوت عليه حزبيا وسلفا، وعمليا اصبح رديفا لبلير، حيث استمر بلير وأُقر براون خلفا له في نفس الفترة التي وضعت لتداول الادوار. وكان براون قد وصف عهد بلير ب "الانجازات الفريدة" و"القيادة الفريدة"، الا انه بديهيا لا يكون نسخة منه رغم انه مساعده الاساسي في الكثير من سياساته، وقد يحاول ان يرسم له وللحزب خططا اخري.
تميز أسلوب بلير في الادارة الرئاسية وتجاوز او اضعاف الثقة او خداع الاغلبية في البرلمان والتصرف بمبادراته المتعارضة مع النظام السياسي التقليدي، مما أثار معارضة شديدة داخل البرلمان وحزبه ايضا، ادت الي هذه النتائج، ولكنه كان يبرر ما يقوم به ويجد ما يفسر له اجراءاته وعلاقاته مع الادارة الامريكية، بطريقته الخاصة وبشبكة مستشاريه التي سرعت ممارساتها من جهة اخري في فرض التنحي عليه مبكرا.
حتي في ايامه الاخيرة ونشاطه الواسع لم ينج من انتقادات حادة واعادة نظر سياسية لم تكن لصالحه في نتائجها او تحليلاتها الاستراتيجية. ولعل تصريحات الرئيس الامريكي السابق الديمقراطي جيمي كارتر عنه في هيئة الاذاعة البريطانية مؤخرا تضع مسمارا اخر في نعش توديعه، عكس ما كان منتظرا او متأملا له في تحركاته الاخيرة. قال كارتر إن دعم بلير للرئيس الأمريكي بوش كان "علي ما يبدو فيه الكثير من الخنوع". وقال إن الدعم "علي طول الخط تقريبا" من جانب بريطانيا ل"السياسات المبنية علي سوء المشورة للرئيس بوش في العراق كانت مأساة رئيسية بالنسبة للعالم". وكرر كارتر هنا ما كان مصرحا به سابقا وفي اكثر من مكان، مشيرا الي خطل تلك العلاقة بين بلير والادارة الامريكية وما نتج عنها من ويلات ستظل اثارها باقية لفترات طويلة.
اذا كانت هذه التقييمات لفترة بلير ودوره خلال العشر سنوات الماضية، والتي فرضت عليه ما ال اليه مصيره السياسي فيها، وهي في التقييم الاخير سلبية، فماذا سيكون عليه وضعه بعد عشر سنوات اخري؟ وماذا سيكتب او يقول هو عنها؟ خاصة اذا صحا ضميره وكشف الاوراق؟. بانتظار ذلك لابد من القول ان دماء ملايين البشر التي كانت سياساته سببا في اراقتها ستظل ثقيلة علي راحتيه، ومهما ادعي غير ذلك وكابر، وهذه سمة غالبة عند الكثيرين من السياسيين الغربيين، ردحا من الزمن فان الحقائق ستتكشف بعد حين او بعدهم، ولكن للاسف بعد فوات الاوان والخراب والخسران.
بلير بعد ازنار وبرليسكوني والعشرات من المحافظين الجدد الذين سقطوا من المشهد السياسي بسبب مشاركتهم بغزو العراق اساسا، واستمروا فترة باحتلاله ورأوا بأعينهم ما انجزته خططهم ومشاريعهم وما حل بالعراق من جرائها، لا يكفي انهم اجبروا علي الرحيل من مواقعهم، اذ المطلوب متابعتهم قانونيا ومحاكمتهم، فالمأساة التي حلت والكارثة التي يعيشها الشعب العراقي والعالم ايضا تتطلب الا تمر عواقبها بسهولة عليهم.