الاثنين، 23 يوليو 2007

انطباعات عامة من زيارة عواصم عربية

الجمعة 20/7/2007
توفر زيارات عواصم عربية بفترات متقاربة لحضور مؤتمرات ومشاركات في لقاءات عربية امكانيات مقاربة وملاحظة وتسجيل ما يمكن من انطباعات عامة تفيد في استخلاص صورة عن الوضع العام في هذا العالم، الممتد من المحيط الاطلسي الى المحيط الهندي، وهذه الشعوب التي تتكلم اللغة العربية وتدين اغلبيتها بدين الاسلام وتتباهى بكل ذلك، ولو على حرج بعض الاحيان.
والبداية في تكرر الملاحظة الابرز عن عمق الانقسامات العربية بين النخب السياسية والفكرية حول معظم الامور المهمة على الساحات العربية، وابرزها الان قضايا الاحتلال الصهيوني والامريكي لفلسطين والعراق وباقي البلدان الراغبة بهذا الامر باختيار حكوماتها وان سموه باسماء مريحة لها، وقضايا حقوق الانسان والحريات العامة التي توضع كشعارات براقة في اغلب الاحيان والاوضاع والحالات، ولكنها الاكثر اثارة واختلافا وصراعا وانحسارا في الواقع وعلى الارض الشاسعة الاطراف. واختلاف المواقف فيها لا يسر المرء كثيرا، ولا يفرح العمل العربي المشترك، فالتباين في مثل هذه الحالات لا يشي بتنوع الفكر وثراء المواقف وغنى الحوار المفتوح دائما على كل شيء بما فيها مصائر الشعوب، بل يعطي انطباعات سلبية، لاسيما وانه في اغلب الاحوال يقدم مجالا لاختراقات الاعداء وتغلغلهم في هذه الاوساط خصوصا، (لاسيما اصحاب الاكتاف الرخوة) واستخدام كل الوسائل المغرية والمفسدة في آن واحد، الممولة للتخريب والتدمير الداخلي والتشويه والتضليل، وباعتبار هؤلاء السياسيين والمثقفين هم اعمدة الجبهة الاخيرة لمناهضة مشاريع ومخططات الاعداء ومقاومة العدوان والغزو الصريح والواضح في كل مكان. وقد يصير التناقض بين الواقع المر والبيانات الختامية لاكثر المؤتمرات شاهدا صارخا او مؤشرا صريحا لسعة التباين والاختلاف ومحفزا لضرورات العمل من اجل التغيير والتثوير والنهوض الكفاحي واستعادة صور التحرر الشعبي والوطني، وردم التناقضات وازدواجية الشخصية الصارخة، والفاضحة مكانا ودوافعا وتمويلا واتجاهات مريبة.
فلسطينيا كشفت الانتخابات التشريعية وما انتجته من تكليف حركة المقاومة الاسلامية/ حماس بالحكومة ومن ثم تداعياتها في الحصار الشامل وفي احداث غزة الاخيرة وفيما تبعها، في الضفة وغزة وشرم الشيخ، كشفت مثل هذا التباين الواسع، ومن ثم تحشيد كل طرف لصالحه على حساب القضية المركزية والمصالح العليا للشعب الفلسطيني المحتلة ارضه والمشرد في الشتات اغلبه. ومن ثم انتقالها الى الشارع والمنافي العربية، تواصلا مع وسائل الاعلام وادواتها الاخرى، دون ترو وجهود لتجسير الخلاف وبناء علاقات افضل مما كانت عليه وفضح اي تجاوز او طمس للحقوق المشروعة لكل الشعب الفلسطيني، داخل فلسطين او خارجها.
اما في الشان العراقي فاصبحت الصورة اكثر حرجا رغم وضوحها الكامل واعتراف اطرافها بفداحة الكارثة التي تحيق بالشعب العراقي ومستقبله وثرواته. ويتصاعد الاختلاف حد التناقض بين تبرير جرائم الاحتلال ثمنا للتحرير او الدكتاتورية والاستبداد، قبل الاحتلال. وبين التاويل والاعتدال او الاعتراف والانكار، او بينهما تحت تسمية (سمها ما شئت) وكانها قضية خارج الكرة الارضية وليست امام الجميع. فالاحتلال احتلال ومقاومته بشتى الاساليب حق مشروع كفلته القوانين كلها، والارهاب ارهاب ادانته كل الشرائع والاعراف، وما بينهما وضوح كامل في الصورة والاسلوب واي خلط بينهما مشاركة في اطالة امد الاحتلال ونكران لحقوق مشروعة. ومثل هذه المواقف تمتد لتصل اوضاع العرب في اكثر من بلد مبتلى بمثل ذلك او ادهى، والصراعات فيها تعمقت عموديا وافقيا، وتغيرات المواقف والمبادئ اصبحت متواترة وغير محرجة لاسماء او احزاب او قوى لعبت دورا ما في فترات التحرر الوطني او التقدم الاجتماعي وانقلبت عليها جهارا نهارا.
تمور كثير من هذه المواقف في اغلب العواصم العربية بالرغم من وجود هوامش متفرقة ومختلفة بين عاصمة واخرى، تسمح لاظهار مثل هذه التناقضات والتباينات على السطح، لاسيما للزائر، والذي يلتقي باوساط متنوعة، بدء من المشاركين في اللقاءات او الزملاء، او سائقي التكسيات او العاملين في الفنادق ومطاعمها، وامثالهم، وطبيعة المعاناة التي يحملها كل منهم في تلك الاوقات الساخنة بسماتها المتعددة. وقد يكون في محاولات تجميع الصورة من كل هذه القطاعات مسعى لتسلسل الوقائع ووضعها في سياقاتها السليمة. كما هو ادراك حجم الضغوط الخارجية والممارسات الرسمية المحجمة لاية نشاطات سياسية وفكرية يسهم في التوضيح والتفسير. ويسمح ايضا للنظر لما تنشره وسائل الاعلام عن تحولات وتغييرات غير قليلة في العديد من المجالات والمساحات الممنوعة سابقا. ومن بينها اعلان اضرابات عمالية او خروج تظاهرات احتجاجية بدون اجازات حكومية وتستطيع الصمود امام انظار الاجهزة المختصة بالقمع والسجون. أليست هذه ظواهر ايجابية بمعنى ما، واشارة لوعي واحتجاجا بصوت عال؟. والجواب يرد: صحيح انها كذلك ولكنها تبقى محدودة في مساحة صغيرة ومحسوبة ايضا، فهي لا توازي اعداد السكان في اي بلد منها، ولا تصل الى ابعد من حدود العواصم والمدن الكبيرة وفي ظل شيوع الامية الابجدية والثقافية بنسب كبيرة ومخجلة زمنيا وتبديد ثروات عربية في امور اكثر حرجا وخجلا في الثقافة العربية والاسلامية.
وقد يكون موروث الاستعمار الغربي للعالم العربي، السلبي منه خاصة، هو الاكثر شيوعا او استعادة في الحياة اليومية، والذي يجذب الانظار لكل مشاهد عابر، فكيف للمقيم الصابر؟. ولاسيما في تطبيق سياسات التفرقة والتحكم عبر التفتيت والتشظي على مختلف الصعد والمستويات الاجتماعية والطبقية والدينية والاثنية وغيرها، وهي من انجازاته المشهود له بها في زمانه وتجددها الان بشكل اخر، بقيام السفير الامريكي متقمصا دور المندوب السامي بدون اعتراض صارخ، او بقبول رسمي صامت!.
من النزول من الطائرة مرورا بحواجز التفتيش ووجوه العاملين المحليين المعتذرة او الموحية بذلك، من كاميرات القوى المتنفذة بالقرار السياسي الحكومي، سواء بشكل علني او خلف الاسوار والغرف المتعددة، وصولا الى زوايا الشوارع وقاعات الفنادق، صباح مساء، تتواصل اخبار الاوضاع الامنية وترافقها المعاشية وانعكاساتها على المؤسسات والاتحادات الاخرى. حتى بات الحديث عنها عاما وعلنا دون خشية، واحيانا بالاسماء والعناوين المعروفة. منعكسة بوضوح على حياة قطاعات واسعة تعيش تحت خط الفقر وشكواها المستمرة ومن مطالبها الكثيرة يوميا مع توسع الفوارق الاجتماعية والطبقية وحتى السياسية، بين احزاب السلطة واحزاب المعارضة، بين الاعوان والمغضوب عليهم، بين الاجيال والاجناس، بين الواقع والاحلام، بين العمل والامل في حياة كريمة وانسانية عموما. فهل يمكن الصمت على مثل هذه الحالات؟ وكيف يصبر الجائع لايام؟ والمشرد لاشهر؟ والمغترب في وطنه لسنوات؟.
واخيرا تعود من تلك العواصم بكثير من الانطباعات والمشاهدات، ولكن تلملم الاوراق وتصمت او تقف بانتظار ما ياتي..!.