الأربعاء، 31 أكتوبر 2012

أوروبا: اضرابات العمال واحتجاجات الشعوب

تعاني قارة اوروبا عموما، دول الاتحاد وخارجه، من ازمات سياساتها ومشاريعها السابقة التي لعبت دورا كبيرا فيما تعيشه الان. لاسيما تلك التي وقفت الشعوب ضدها ونبهت منها وأعلنت قياداتها رأيها فيها مؤكدة بأنها تقود البلدان الى كوارث متلاحقة ولابد من العمل على ايجاد حلول ايجابية ومخارج افضل لخدمة المصالح المشتركة والعامة اساسا. السياسات الاقتصادية الخاطئة انتجت ازمات اقتصادية حادة. السياسات الاستراتيجية الخاطئة ولدت اختلافات متباينة في المواقف وأثرت على مسيرتها الاتحادية وعلاقاتها الدولية. انتهت الى سياسات تقشف اقتصادي وتضخم ونسب عالية من العاطلين عن العمل وتشتت في القوى العاملة وهجرة بينية تفاقم من اوضاعها الاقتصادية وتزيد في الازمات العامة على جميع الصعد. وتظهر بشكل صارخ في بلدان اوروبا الجنوبية.
تستمر اتحادات النقابات في انحاء اوروبا على اطلاق تظاهرات احتجاجية على اجراءات التقشف وسياسات حكوماتها اليمينية ووسط اليمين المتنفذة. ويكاد في كل اسبوع مشهد مثل ذلك في العواصم او المدن الرئيسية في القارة الاوروبية خصوصا. وتعلن الاضرابات والتظاهرات عن رفض قاطع لتلك السياسات والممارسات والإجراءات التي تزيد في التفاوت الطبقي والاجتماعي والاستغلال الاقتصادي والنهب المالي والثروات لفئات محدودة تقل نسبتها المئوية بالتوازي مع ارتفاع نسب الطبقات الاجتماعية التي تتضرر من تلك السياسات والخطط والنهج الرأسمالي الذي تسير عليه تلك الطغم المتنفذة في القارة الاوروبية. وأغلبيتها تخطط الى تغييرات جذرية، مثل تمديد أسبوع العمل إلى ستة أيام وخفض الرواتب وأجور العاملين في القطاع العام وزيادة سن التقاعد إلى 67 عاما. وتحاول إلغاء يوم العمل لمدة ثماني ساعات والسماح لأرباب العمل بمطالبة الموظفين بالعمل إلى ما يصل إلى 78 ساعة في الأسبوع، لتضرب مكاسب تحققت بتضحيات القوى العاملة الاوروبية وكفاح تقدمي طويل.
لم تكتف اتحادات النقابات بالتحذير من تلك السياسات الجشعة ومن التمايز وعدم التكافؤ فيها، بل حركت الشوارع ورفعت لافتات ونشطت في احتجاجات عريضة واعتصامات متواصلة وبيّنت فيها ضرورة المراجعة والتغيير. كل العواصم الاوروبية شهدت منذ احتدام الازمات والى يومنا هذا ما يوضح غضب الشعوب، والعمال منهم خاصة، من تلك السياسات والحكام والأحزاب التي حكمت وقادت بلدانها صوب هذه الاوضاع المتازمة. مثلا في بريطانيا خاضت النقابات العمالية والطلابية والمهنية العديد من الاضرابات وسارت في تظاهرات كبيرة في العاصمة لندن والمدن الاخرى، ادانت فيها سياسات الحكومة الائتلافية، يمين وسط، التي اقرت سياسات التقشف والخصخصة وأرهقت القوى العاملة والفئات الاجتماعية الفقيرة والوسطى وأجبرتها على الخروج الى الشارع والاحتجاج عليها. ليس اخرها يوم 20/10/2012 في اكبر تظاهرة شعبية. ويتوقع أن تدعو نقابات العمال إلى إضراب عام رغم ان بريطانيا تعاني من أزمة اقتصادية ازدادت سوءا منذ العام الماضي. ذكر ديف برينيت، الامين العام لاتحاد نقابات العمال، في خطابه في التظاهرة: "سيتم اقتطاع حوالي 700000 وظيفة من الخدمة العامة والتمريض ومن العاملين في مجال الرعاية الاجتماعية والصحية، وهم أشخاص أكثر ضعفا في مجتمعنا وعلى الطرف الآخر نرى الاغنياء يزيدون في ثراوتهم .. يجب أن يتوقف هذا الظلم".
أشار لين مكلسكي، السكرتير العام لـ (يونايت) اكبر نقابة عمال في بريطانيا، (في تظاهرة 25 حزيران/ يونيو 2012) الى ان الاضرابات المقبلة في سبيل حماية الرواتب والوظائف، مضيفا انه في ظل الازمة الحالية يطالب العمال بدفع ثمنها.. فيما يستغل العديد من الشركات هذا الوضع القائم لاقتطاع العديد من الامتيازات. وشاركت النقابة في العديد من اضرابات هذا العام، منها اضراب سائقي شاحنات البترول وسائقي حافلات النقل العام فضلا عن اضراب موظفي القطاع العام احتجاجا على التغييرات التي ادخلتها الحكومة على قوانين التقاعد.
في اسبانيا اجتاحت مظاهرات شعبية وسط العاصمة مدريد، بدعوة من نقابات العمال والقوى السياسية المعارضة لسياسيات حكومة اليمين والخطوات التي اتبعتها للخروج من الأزمة بالإضافة إلى رفض القرارات السياسية المتخذة فيها. ورفع عشرات الالاف اعلام النقابات الحمراء والبيضاء ولافتات كتب عليها (لا) وأخرى كتب عليها (كفى). وشارك في المظاهرات الضخمة من مختلف القطاعات ومن مختلف المدن الاسبانية. وليس اخرها تظاهرة الشرطة (27/10/2012) امام وزارة الداخلية في مدريد، مستخدمين المفرقعات والصفارات، للتعبير عن غضبهم من الاجراءات التقشفية في صفوفهم.

اما في البرتغال فقد رفع عشرات الالاف لافتات تقول: (كفى) و(يجب محاكمة الذين ينهبون البرتغال) خلال مظاهرات في العاصمة لشبونة ومدن برتغالية اخرى احتجاجا على اجراءات التقشف التي فرضتها الحكومة مقابل برنامج للإنقاذ المالي للبرتغال بقيمة 78 مليار يورو. وتصاعدت الاحتجاجات الاجتماعية بعد القرارات الاخيرة التي اتخذتها الحكومة هذه السنة وقضت بزيادة الضرائب والاقتطاع من الاجور والرواتب.

شلّت المواصلات العامة في ايطاليا بسبب اضراب شامل اعلنته النقابات العمالية والمهنية ليوم كامل (2/10/2012)، احتجاجا على سياسات التقشف وخطط الحكومة اليمينية ايضا. توقفت خلاله حركة الترام والمترو الذي يقل وحده في روما اكثر من ثلاثة ملايين شخص يوميا، وفي ميلانو اكثر من مليوني مسافر.
لم تتوقف الاضرابات والاعتصامات في اليونان. مؤخرا أغلقت قاعات المحاكم والمستشفيات والجامعات أبوابها في إضراب عام مشترك، احتجاجا على حزمة جديدة من إجراءات التقشف الرسمية، التي فرضها الدائنون الدوليون للبلاد. اعلن أكثر من 22 ألف طبيب في المستشفيات العامة إضرابا مفتوحا بشأن عدم دفع أجور العمل الإضافي قائلين أنهم سيعالجون فقط الحالات الطارئة، كما خاض أساتذة الجامعات والقضاة إضرابا خلال شهر أيلول/ سبتمبر الماضي احتجاجا على خفض الأجور. . وتضغط الترويكا الحاكمة والتي جاءت بتوافقات دولية وداخلية لدرء الاسوأ في تاريخ اليونان والخروج من منطقة اليورو، من أجل تسريح 15 ألفا من العاملين في القطاع العام، وغيرها من الاجراءات التقشفية.
في اوروبا مازالت الازمات متفاعلة مع سياسات لا تسهم في إيجاد حلول انسانية مقنعة للجميع.