الأربعاء، 10 أكتوبر 2012

غضب الشباب الامريكي

مر عام على اندلاع احتجاجات حركة "احتلوا وول ستريت" الامريكية. ومجرد الاحتفاء بالذكرى وبالطريقة ذاتها هذا العام دلالة على ان اسباب الاحتجاجات مازالت قائمة. ومعروف ان قمع السلطات الامريكية الوحشي لها سبب رئيس من اسباب انحسارها وليس شعاراتها وتوجهاتها. ومع ذلك فلم تمر الذكرى دون مواجهات. فالأخبار اشارت الى اعتقالات ومنع بوليسي "على الطريقة الامريكية" للمتظاهرين. والحركة بما قامت به اعطت صورة واضحة للحال الامريكي الذي كشف تدهور السياسات الامريكية داخليا وخارجيا، وفضح الازمات المتوالدة التي يعيشها النظام القائم في الولايات المتحدة الامريكية.
وجود الحركة وانطلاقاتها تعبير صريح عن اختناقات وانتكاسات في مشاريع الادارات الامريكية العدوانية لمجتمعها وللمبتلين بها. وما تحصل عليه هذه الادارات من دعم خارجي، لاسيما من حكومات عربية معروفة، على مختلف الصعد، خصوصا الاقتصادية واللوجستية، لم يخفف من ازماتها ولم يدخل الامن والطمأنينة اليها. وقد تشترك فترة الانتخابات الرئاسية في القاء الاضواء على تلك السياسات و"الانجازات" التي حققتها تلك الادارات، سواء الجمهورية او الديمقراطية. وهي في خلاصتها الفعلية ازمة النظام الرأسمالي المتحكم، لهذا عدت الحركة في احد اوجهها مطالبة في تجديد النظام ومؤسساته التي يقوم عليها. ومن خلال الشعارات التي رفعت والتوجهات العلنية تؤكد ان الشعب الامريكي لم يعد قادرا على الصمت على الجشع الرأسمالي للمتنفذين في ادارته وسياساتها. فمنذ اولى الشعارات للحركة بأنها تمثل 99% من السكان ضد 1% من المتحكمين في عصب الحياة اليومية للمواطنين، ظهرت طبيعة الحركة والنظام ونتائج التحرك والاحتجاج الى الواجهة وأشارت الى ضرورة الانتباه لتفاعلاتها الداخلية وتأثيراتها.
حسب وكالات الأخبار، تجمع المتظاهرون اعتبارا من الساعة السابعة صباحاً بالتوقيت المحلي في المكان الذي أقاموا فيه أول مخيم لهم في 17 أيلول/ سبتمبر 2011. وكان عدد المحتجين 600 محتجا ومحتجة، (تقديرات غير دقيقة في الاغلب!) ظهروا موزعين على اربع مجموعات مختلفة، وحاولوا الاقتراب من بورصة نيويورك، إلا ان الشرطة دققت في هوياتهم ومنعتهم وأوقفت 70 شخصا بحسب الرابطة الوطنية للمحامين. (وهناك اخبار عن اعداد اكبر). وأغلقت كل الشوارع المؤدية الى وول ستريت وفتحت البورصة في وقتها.
ردد المتظاهرون "طوال النهار، طوال الاسبوع فلنحتل وول ستريت". ورفعوا لافتات من بينها "العار على المصرفيين" و"افصلوا المال عن السياسة". وصرح المتحدث باسم الحركة بيل دوبز "نحن هنا لإسماع صوتنا للاحتجاج على جشع وول ستريت". وقال متحدث آخر باسم الحركة، مارك براي: "نسبب اضطرابات في الحي ونبعث رسالة بأنه لا يمكن لموظفي وول ستريت الذهاب صباحا الى عملهم دون ان يفكروا بعواقب نشاطاتهم على البلاد".
أطلق الاحتجاج والاعتصام في حديقة زوكوتي العام الماضي شرارة غضب في مختلف أنحاء العالم، وٍتوسع نطاق الحراك الاحتجاجي الى مدن رئيسية أميركية مثل شيكاغو وسياتل وبورتلاند، بل جذب ايضا مناصرين له من اسبانيا وهولندا. وأهميته تتجدد في الاحتفاء بالذكرى السنوية الاولى وتحريك روح النشاط من جديد والصراعات الداخلية بين فئات وطبقات اجتماعية واسعة تفاوتت بينها المنافع والمصالح.
كتب عالم الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل جوزف ستيغليتز في مقال له، انه  لم ترتفع مداخيل 99 في المائة من المواطنين الأميركيين إلا بنسبة 15 في المائة خلال ثلاثة وثلاثين عاما، فيما شهدت مداخيل النخبة الّتي لا تشكل أكثر من واحد في المائة من المجتمع الأميركي زيادة بقيمة 150 في المائة. وتساءل: هل طالت عدوى اللامساواة المؤسسات أيضا؟ وردّ: "إن الولايات المتحدة قادت هذه المسيرة، وسرعان ما تبعتها فرنسا. لم يشهد العالم تفاوتا كهذا منذ ثلاثينيات القرن المنصرم. ولا يرتبط ذلك بازدهار إنتاجية كبار المدراء التنفيذيين أو المصرفيين، ذلك أن مساهماتهم في المجتمع غالبا ما كانت سلبية. سقطت نظرية "انتشار الازدهار" بعدما نصّت على أن أرباح المؤسسات الكبرى سترشح عاجلا أم آجلا لتشمل المؤسسات الصغيرة، والفئات المنخفضة الدخل، ثمّ الاقتصاد ككل". وما يؤكد قول عالم الاقتصاد وتوصيفه لواقع الحال  اندلاع تلك الاحتجاجات وشعارات الحركة وتطوراتها الاجتماعية. فما حصل عمليا هو تزايد التفاوت الطبقي والاجتماعي واتساع الهوة بين الاثرياء والفقراء. وما صاحب ذلك من فشل في السياسات الاقتصادية وازدياد اعداد الباحثين عن العمل وإفقار القوى العاملة او على حساب قوتها ومعيشتها. وأضاف مؤكدا:"واقع الحال أنّ ثروات الأغنياء تتعاظم بدون أن تطال الطّبقات الاجتماعية الأخرى. انهارت أسطورة النمو المنصف في ظل تكاثر خصخصة الأرباح من جهة، وتأميم الخسائر من جهة أخرى". وكتب: "فقدت شريحة كبيرة من الناس الثّقة بالحكومة بعد تراجع الوضع الاجتماعي. واختفى الحس بالعدالة والأخلاق. المصارف تتملّص من العقاب أكثر من أي وقت مضى. وتسود خيبة أمل عارمة. بلغ امتناع الناخبين الشباب عن الاقتراع نسبة 80 في المائة. وفي حين عمّت الولايات المتحدة حركة "احتلّوا وول ستريت" الباعثة للتّفاؤل، تصاعدت نزعة يمينية متطرفة بقيادة "حزب حفلة الشاي". ويعبّر الحراكان عن شعور سائد بالإحباط والغضب"!.
لعل في استخلاصه عن وضع الرأسمالية الغربية ما يؤكد صواب انطلاق الحركة وضرورة استمرارها رغم كل ما واجهته، اذ سجل:"ما زالت الرأسمالية القائمة على الريعيّة والمحسوبية والنظرية النقدية معتمَدة على الرغم من الأزمة، ذلك أن الكثير من علماء الاقتصاد الأصوليين شديدو الاعتقاد بأن الأسواق منزّهة عن كل سوء. لحسن الحظّ، أقبل جيل جديد ليسقط هذا التعصب، غير أن الكلمة الفصل تبقى للسياسات، وبالتالي، تسير خطى التغيير ببطء شديد. لكن الغضب من عدم تكافؤ الفرص وعدم المساواة الناجمين عن العولمة بدأ يؤتي ثماره على شكل مبادرات عدّة...".
الاحتفال بغضب الشباب الامريكي له مبرراته وله أسسه التي ترسم مستقبل الامبراطورية. وهذا ما تؤكده الوقائع وتشير له الحقائق التي تحاول وسائل الاعلام انكارها او التستر عليها وإيهام الناس بـ"الحلم الامريكي" الجميل.!