كل يوم تضاف
ادلة جديدة وموثوقة لسجل ادانة مجرمي الحرب والعدوان على الشعب العراقي، ورغم كل
هذه الاثباتات الاضافية والأدلة القاطعة تتهرب المحاكم الدولية وهيئات التحقيق
الدولية والمفوضيات والمنظمات التي تحمل عناوين حقوق الانسان والعدالة وغيرها
بنفسها من هذه الحقائق الواضحة والصارخة والمدينة لمجرمي الحرب من قيادات الادارات
الحاكمة في الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وغيرها من الدول الراغبة التي
ساهمت امام انظار كل العالم في تحطيم وطن وتدمير شعب. وهي بذلك تفضح نفسها وتكشف ازدواجيتها.
ليس اخر تلك
الادلة طبعا ما صرح به مؤخرا امين عام الامم المتحدة حينها كوفي أنان في مقابلة
نشرتها صحيفة التايمز البريطانية (29/9/2012) وكذلك في كتابه الصادر حديثا،
(تدخلات: حياة في الحرب والسلم) (الذي يتحدث عنه في لندن يوم 7/10/2012): إن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بلير كان بإمكانه
تغيير موقف الرئيس الامريكي السابق جورج بوش الثاني "خصوصا بسبب العلاقة الخاصة
بينهما إضافة إلى أن بريطانيا كانت القوة العظمى الوحيدة التي انضمت إليه" في
تلك الحرب. وأضاف أنان، انه كثيرا ما تساءل ما الذي كان سيحصل لو أن "طوني بلير
قال لجورج: هنا يفترق دربانا. تدبر أمرك بنفسك". وأشار الى اعتقاده بأن
"ذلك كان يمكن أن يوقف الحرب، ويعطي للأمريكيين فترة توقف.. كان من الممكن أن
يعطيهم فرصة توقف للتفكير خلالها.. وكل ذلك سيثير أمامهم التساؤل: هل سنذهب في هذا
الأمر منفردين؟". وأكد أنان "اعتقد حقيقة ان بلير كان بإمكانه منع تلك الحرب".
واوضح إنه لا استقالته هو من منصب الأمين العام للأمم المتحدة أو استقالة كولن باول
من وزارة الخارجية الأمريكية كانتا من الممكن أن تثنيا بوش عن الحرب، ولكن بلير يمكنه
فعل ذلك. وشدد على أنه "فعل كل ما في وسعه لإيقاف النزاع الذي استبدل صدام حسين
بديمقراطية هشة، بيد أنه أغرق العراق في صراع طائفي لثماني سنوات أودى بحياة أكثر من
100 ألف من المدنيين، ونحو 5 آلاف من الحلفاء، ولم يتم العثور على أسلحة الدمار الشامل
التي كانت الحجة التي قام عليها الغزو الذي قادته الولايات المتحدة". ( طبعا
الارقام المذكورة ليست دقيقة، وحسب مصادرها، وكرر مثلها الاسقف توتو في مقاله
ايضا، فهناك وقائع وأرقام اخرى كتب عنها كثيرا ايضا وموثقة في محاكم شعبية غير
رسمية عقدت في عدد من المدن، مثل كوالالامبور الاندونيسية). فهل يحتاج كلام هذا
الرجل الى توضيح اخر او شرح لتجار ومجرمي الحرب؟. هذا دليل ساطع، له قيمته
التوثيقية والسياسية، وله اهميته انه من أنان بالذات. فهل يسمعه من يهمه الامر
ويطالب بتشكيل محكمة دولية رسمية لمثل هذه القضية ويبدأ التحقيق فيها ويأخذ من
اقوال أنان وأمثاله شهاداتهم في الجريمة المعلنة؟!.
الصمت والتهرب
من هذه القضية سمح لمجرمي الحرب ومن خلفهم في مواقعهم شن المزيد من الحروب على
الشعوب الاخرى، وكما هو معلن ترك غياب تشكيل المحاكم المجرمين يفلتون من العقاب. واستمر
العدوان وازدادت اعداد الضحايا والانتهاكات والدمار والخراب والارتكابات المتصاعدة
للقانون الدولي ولميثاق الامم المتحدة، الشاهد الاخرس او لوحة القرود الثلاثة
المشهورة.
صرخة انسانية تؤكد
على ضرورة المحاكمة، وهي من حائز على جائزة نوبل للسلام عن نضاله في مكافحة التمييز
العنصري ببلاده، هو الاسقف الجنوب افريقي، ديزموند توتو، في مقال في صحيفة الأوبزرفر
البريطانية (2/9/2012)، دعا فيه الى محاكمة طوني بلير وبوش الثاني أمام المحكمة الجنائية
الدولية بسبب الحرب على العراق، مطالبا بادانتهما وتحميلهما التدمير المادي والأخلاقي
في العراق. متهما بلير وبوش بالكذب في ذريعة "أسلحة الدمار الشامل"، و مضيفا
أن الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق جعل العالم "أقل استقرارا وأكثر
انقساما مقارنة مع أي نزاع آخر في التاريخ". وأشار الى إن حصيلة القتلى في العراق
سواء خلال الغزو أو بعده كافية بمفردها لمحاكمة بلير وبوش أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وأضاف أن أولئك المسؤولين عن هذه "المعاناة والتسبب في فقدان الحياة ينبغي أن
يلاقوا المصير ذاته الذي حل بقادة أفارقة وآسيويين وجدوا أنفسهم يقفون أمام المحكمة
الجنائية الدولية لتبرير تصرفاتهم".
وكتب الأسقف إنه
بالإضافة إلى حصيلة القتلى، هناك خسائر أخلاقية ثقيلة منيت بها الحضارة الإنسانية دون
أن تتحقق أية مكاسب إذ حصلت "قساوة في قلوب وعقول أعضاء الأسرة الإنسانية في مختلف
أنحاء العالم". وتساءل "هل خفت الهجمات الإرهابية المحتملة؟.. إذا كذب القادة،
فمن ينطق بالحق؟". وأضاف "إذا كان مقبولا أن يتخذ القادة إجراءات جذرية بناء
على كذبة من دون إقرار بذلك أو اعتذار عندما يكشف أمرهم، ماذا يمكن أن نلقن أبناءنا؟".
ورأت الصحيفة أن إثارة هذه القضية بعد مرور نحو عشرة سنوات على غزو العراق يدل على
أن شبح الحرب التي شهدها العراق لا يزال يلقي بظلاله على المسيرة المهنية لبلير رغم
تركه رئاسة الوزراء في ظل محاولته الرامية لتلميع صورته في الحياة العامة.
كان توتو قد
قدم موقفا انسانيا واخلاقيا ودرسا لغيره بانسحابه من مؤتمر عقد في بلاده جنوب أفريقيا،
وشارك فيه بلير مقابل مبلغ 150 ألف جنيه إسترليني.. ولابد مرة اخرى من سماع صوت
الحق لدى تلك الجهات والحكومات التي تقدم لمجرمي الحرب اثمانا مبالغا فيها مقابل
محاضراتهم او استشاراتهم، ويتهربون من دفع اثمان للمحكمة والتحقيق في جرائمهم،
والمشاركة الاضعف في احترام دماء الضحايا ومشاعر اهاليهم وإعادة اعمار ما خربته
الحروب وسياسات الغزو والهيمنة الامبراطورية. ومن الجدير بالذكر ان من خلف بلير
وبوش يتذرعون في الحجج نفسها ويستمرون في حروبهم واستهتارهم بالأمن والسلم
العالميين وحياة الشعوب ومستقبلها.