الثلاثاء، 15 مايو 2012

صعود الاحتجاجات من اجل التغيير

تبشر الاحتجاجات دائما بإرهاصات التغيير. وتشير كل اساليب الاحتجاج الى الاوضاع التي تعيشها الطبقات والفئات الاجتماعية والضغوط المختلفة عليها والتي تدفعها او تحركها الى تصعيد الاحتجاج من اجل التغيير نحو الافضل والأحسن لها وعلى مختلف الصعد والمجالات. ومن بين المؤشرات على بعض تلك الصورة ما جرى في اليوم العالمي للعمال، الاول من ايار/ مايو من كل عام. وهو رمز تاريخي وتعبير عالمي عن الحاجة الى التغيير والتجديد والتحديث والتقدم الى الامام. ومهما طالت الحالات التي تعاني منها قوى التغيير فان صعود الاحتجاجات يوصلها الى الاهداف المنشودة من برامج ومناهج التغيير.
لعل عيد العمال العالمي في هذه السنة مر بشكل معبر وواضح لكل من يتابع التحولات والتغيرات التي تجتاح العالم. وهو يحمل موجة جديدة من الاحتجاجات التي عمت اركان المعمورة. فالأزمات الاقتصادية وسياسات التقشف الرأسمالية وتحكم قوى اليمين والرأسمال والبنوك في تلك السياسات مع مخططات الهيمنة والاستعمار والعدوان تدفع الى تصعيد الاحتجاج بما يقابلها من قوة وممارسات عملية. وهذا ما عبرت عنه صور الاحتجاجات العالمية، ولاسيما في الغرب الراسمالي، وليس بعيدا عنها البلدان الاخرى بما فيها البلدان العربية طبعا.
أصبح منهج التغيير هدفا ووسيلة لدى القوى الشعبية في العالم، وفي البلدان الأوروبية والولايات المتحدة خصوصا، ورغم كل التجربة الديمقراطية التي عاشتها شعوب تلك البلدان تاريخيا، خرجت الى الشوارع والساحات والميادين وتركت بصماتها المعبرة. وأعلنت في الوقت نفسه صرخة غضب شعبي كبيرة ضد الاستغلال والظلم والتفاوت السياسي والاقتصادي والاجتماعي ايضا، وضد سياسات الحكومات اليمينية خصوصا التي لم توفر لوعودها ما يقابلها ومارست دورا في صناعة الازمات التي هزت المدن الغربية عموما، ووسعت الهوة بين الطبقات والقطاعات الاجتماعية. وعبرت تلك الاحتجاجات عن تواصلها مع نضال العمال والشغيلة من اجل حقوقها وامتيازاتها التي تعرضت في اجواء الازمة الاقتصادية وسياسات السلطات الغربية الى انتهاكات صارخة لم تترك امامها مجالا للصمت او السكوت عنها وتحملها عنوة.
خلال السنوات الاخيرة التي استفحلت فيها الازمة الاقتصادية والمالية تميزت الاحتجاجات بسعتها الاجتماعية ومدنيتها وسلميتها رغم عنف السلطات الحاكمة. وكانت طبيعة الاحتجاجات وشموليتها والميادين التي انطلقت منها او تجمعت فيها اعلانات عن فشل السياسات التقشفية ومحاولات ترقيع الحلول للازمات الاقتصادية واستمرار توسيع الفوارق بين الطبقات والفئات الاجتماعية. وأكدت قواها المبادرة لها على اهمية الاستماع الى صوتها وغضبها وإشراكها فعليا في العملية السياسية، واحترام الإرادة الشعبية التي هي روح المؤسسات السياسية. فصعود الحركات الاجتماعية الجديدة.. مثل حركة "غاضبون" باسبانيا، وحركة "النجم الخامس" بإيطاليا، وحركة "احتلوا وول ستريت" بأمريكا، وحركة "احتلوا البورصة او حي المال" ببريطانيا، وغيرها.. كان بمثابة تأكيد على رفض الحركات الاجتماعية  لكل ما له صلة بالسلطات الغربية وسياساتها التي تميزت بشيوع الفساد والفضائح السياسية والأخلاقية والتمييز بين المصالح الوطنية والشعبية ومصالحها التي تغيب عنها العدالة الاجتماعية والاقتصادية على السواء.
تميزت الحركات الاجتماعية التي تقوم بهذه الاحتجاجات عن غيرها من حيث طبيعة تركيبها وتشكيلها وكذلك في نزولها الى الشارع والميادين وتلون شعاراتها بما يعبر عن موجات جديدة من الحركات الاحتجاجية التي تقود العمل السياسي وتنبه السلطات بما هي عليه من ظلم  وما تمارسه من اجراءات تزيد في ابتعادها عن عموم الشعب وتهميش تلك الفئات والقطاعات الاجتماعية.
كما اتسمت تلك الحركات بسمات اخرى اضافية بعد اعتصامها في الساحات العامة والميادين وتخييمها وتوفير اساليب مشاركتها وخوضها الاحتجاجات الغاضبة سلميا رغم العنف الرسمي والممارسات البوليسية ضدها. وكشفت بطرقها الجديدة طبيعة السلطات وسياساتها وادعاءاتها في الحريات والديمقراطية وحقوق الانسان. كما فضحت الاحزاب السياسية وقياداتها التي ابتعدت عن المصالح الشعبية العامة وتمثيلها للشعب او للطبقات التي تعبر عنها. وهو ما طبقته في حركاتها وميادينها وساحات نضالها التي سجلت في صفحات النضال الوطني وعرفت عالميا بفضل ما استخدمته هي الاخرى من وسائل الاتصال الحديثة والثورة التقنية التي تطورت بشكل كبير واستثمرتها بكل طاقاتها. ووفرت لها ما لم يكن بحسابات سابقاتها. حيث اعطتها امكانات واسعة للتحشيد والتجميع والتنظيم المباشر والعفوي غير المبرمج حزبيا والمتسلسل اطاريا حسب ما كانت عليه الحركات التاريخية السابقة، ويسرت لها سبلا جديدة ومبتكرة مع تطورات الثورة التقنية. وقدمت هذه الحركات بمختلف تنوعاتها وتشكلاتها طاقات جديدة للكفاح الطبقي والاجتماعي والنضال المطلبي ودق اجراس الانذار للسلطات والمؤسسات التي تجاوزت على صلاحياتها وخياراتها وإرادات شعوبها.
احتجاجات الاول من ايار هذا العام، وما بعدها، استفادت من موجات الاحتجاج السابقة ولاسيما احتجاجات الخامس عشر من تشرين الاول/ اكتوبر العام الماضي، والتي شملت 951 مدينة في 82 بلدا. حينها سجل منظموها على موقعهم الالكتروني ان هدفهم هو "اطلاق التغيير العالمي الذي نريده".  واتخذوا من حركة احتجاج نيويورك "احتلوا وول ستريت" شعارا جامعا وأسلوبا لفضح جشع الشركات وسياسات التقشف الحكومية. وأعلنوا: "بصوت موحد سنجعل السياسيين، والنخب المالية التي يعملون لخدمتها، ان الامر بيدنا نحن الشعوب لنقرر مستقبلنا". ودعت حركة "الديمقراطية الحقيقية" اليونانية الجماهير الشعبية للانضمام للاحتجاج وأكدت: "ما يحدث في اليونان الان هو الكابوس الذي ينتظر دول اخرى في المستقبل. التضامن هو سلاح الشعب". وكتب موقع "متحدون من اجل التغيير العالمي" الالكتروني على صفحته: "حان الوقت امامنا لكي نتحد وحان الوقت لكي ينصتوا. شعوب العالم انهضوا. لسنا متاعا في ايدي الساسة والمصرفيين الذين لا يمثلوننا. سنتظاهر سلميا ونتحدث وننتظم حتى يتحقق ذلك".
مهما كانت اعداد المحتجين وأماكن الاحتجاج فقد كانت الاحتجاجات اشارات واضحة لصرخة موحدة: كفى.. امام الانظمة والسلطات التي تستهين بإرادات الشعوب وخياراتها وتعمل على استثمار ثرواتها بما لا يحقق التنمية والتقدم الانساني وخدمتها.