الثلاثاء، 8 مايو 2012

درع صاروخي وأحلام امبراطورية
لم تكتف الولايات المتحدة وسياساتها الحربية الاستراتيجية بما لديها من قواعد عسكرية في العالم واتفاقيات عسكرية وأمنية لتواجد وحدات عسكرية او مناورات مشتركة وتدريبات وبيع اسلحة وغيرها من الشؤون العسكرية الإستراتيجية، لم تكتف بكل ذلك، فزادته بإنشاء منظومة جديدة اسمتها بالدرع الصاروخية، وتقوم بتوزيعها على قواعد لها في انحاء المعمورة، وخصوصا حول حدود روسيا وحلفائها الاستراتيجيين ايضا. هذه الدرع الصاروخية التي تم بناء مراحل منها في عدد من البلدان الراضخة للتحالف مع السياسة الامبراطورية الامريكية ومشاريعها العدوانية الواضحة في برامجها وخططها الاستراتيجية المعلنة والسرية اضافة اخرى او مرحلة متقدمة جديدة لما للإدارة الامريكية وحلف شمال الأطلسي/ الناتو وأعضائه الاوربيين من خطط ومشاريع امبراطورية ومصادر تهديد عسكري وامني. وهي بمجموعها ادلة جديدة لخطط وسياسات الهيمنة الإمبراطورية، وتكشفها اكثر اتفاقيات عسكرية جديدة مع دول اخرى من خارج اعضاء  الناتو. ومن المقرر ان تكتمل الدرع الصاروخية على أربع مراحل بحلول العام 2020.
هذه المخططات والخطط الاستراتيجية تدور في وقائعها في اطار احلام امبراطورية للإدارات الامريكية ولكنها لا تجري كما تشتهي تلك الادارات دائما. ورغم ذلك تدافع اغلب آلات الاعلام الغربية والعربية عن تلك السياسات والخطط والأحلام الامبرطورية بأساليب وغايات مختلفة، ساعية بذلك الى تمريرها وغسل الادمغة بإغراءات قوتها ومصادرها دون الاشارة الى خطورتها ومخاطرها المحلية والدولية. وتبرر الادارات الامريكية وتابعوها تلك السياسات بوضع اسباب وذرائع لها، ساعية فيها الى تغطيتها بادعاءات مكشوفة ومفضوحة لها ولغيرها ولكنها تحاول التخفي وراءها والتستر عليها وخداع الرأي العام بها. مكررة في كل ما تقوم بها تاريخيا ولحد الان من سياسات عدوانية صارخة.
ما يكشف خطورة هذه المشاريع والسياسات ردود الافعال التي ترد عليها وتتحداها بما يقابلها ويضعها في بؤرة الاهتمام العالمي. من بينها كانت ردود الافعال الروسية، على مختلف الاصعدة، عسكريا وحكوميا واعلاميا. وكانت تصريحات الاركان العسكرية الروسية ابرزها. حيث هدد رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، الجنرال نيكولاي ماكاروف، بأن بلاده قد تقوم في توجيه ضربة استباقية للدرع الصاروخية، التي تعتزم الولايات المتحدة، وحلف شمال الأطلسي/ الناتو، إنشاءها في أوروبا "إذا شعرت بأنها في خطر"، حسب ما نقلته تقارير إعلامية رسمية في موسكو.
ونقلت وكالة "نوفوستي" للأنباء عنه، إن "روسيا قد تستخدم ما تنشره في جنوبها وشمال غربها، من أسلحة ضاربة جديدة، بما فيها صواريخ اسكندر، الجاري نشرها في منطقة كالينينغراد، لتدمير منشآت الدفاع المضاد للصواريخ في أوروبا." وأشارت الوكالة الرسمية إلى أن وزير الدفاع الروسي، أناتولي سيرديوكوف، صرح خلال مؤتمر دولي حول الدفاع المضاد للصواريخ في موسكو (3/5/2012) بان "المباحثات بين روسيا والناتو بشأن مشروع الدرع الصاروخية الأمريكي، الذي يتضمن إنشاء شبكة مضادة للصواريخ في أوروبا، تسير إلى طريق مسدودة."
روسيا أبدت استعدادها لمساعدة الناتو في إنشاء شبكة حماية أوروبا من أي هجوم بالصواريخ، ولكن هذا الاستعداد لم يترجم عمليا بين الطرفين، لرفض الولايات المتحدة إعطاء ضمانات بأن الصواريخ الاعتراضية المخطط نشرها في أوروبا وخارجها، لن تستهدف الصواريخ الحربية الروسية. الامر الذي يفسر النوايا الامريكية والغربية عموما وراء تلك المشاريع العسكرية ومسمياتها واهدافها الحقيقية.
لعل في ردود الافعال ما يثير الاهتمام فعلا، وتعكس ما وراء تلك المخططات، لذلك  جاء الرد عليها ايضا سريعا وكاشفا. وهو ما ورد على لسان أندرس فوغ راسموسن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (4/5/2012)، الذي اعتبر ان إعلان هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية عن احتمال شن ضربات استباقية على قواعد الدرع الصاروخية التي يبنيها الحلف في أوروبا غير مبررة.. وقال راسموسن في برلين بعد محادثات مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل: "أعتقد ان هذه التصريحات غير مبررة. وقد اقترحنا على روسيا التعاون مع الناتو في هذا المجال. واننا واثقون من أن ضمان الأمن الدولي يستجيب لمصالحنا المشتركة". وأضاف أن "نظام الدفاع الصاروخي الخاص بنا ليس مصمما فنيا لتهديد روسيا بأي شكل. ونحن قدمنا هذه المعلومات للروس. وسياسيا ليست لدينا أية نية لمهاجمة روسيا."
الا ان ما نقلته الوكالات عن تصريحات وزير الدفاع الروسي اناتولي سرديوكوف حول المباحثات والطريق المسدودة لها، وما تضمنته من مواقف استراتيجية روسية هي بمعنى رد مسبق على تاكيدات راسموسن بان هذه المنظومة الدفاعية لا تشكل تهديدا للأمن الروسي. وهذا يعني ايضا ان تلك المنظومة مصدر خطر فعلي، بين سياسات استراتيجية لكلا المحورين العسكريين، روسيا وحلفائها، والولايات المتحدة والناتو وتوابعهما، بشكليهما القديمين الجديدين، وفي صورة الصراع الواقعية ومدلولاتها العملية.
وضح ذلك رئيس هيئة الأركان الروسية المشتركة الجنرال نيكولاي ماكاروف في تصريحه: إن أحد الخيارات أمام روسيا هي نصب صواريخ اسكندر القصيرة المدى في كالينينجراد، الجيب الروسي الواقع على تخوم الاتحاد الأوروبي، وهي إحدى خياراتنا الممكنة لتدمير البنى التحتية الأوروبية للمنظومة الصاروخية.
هذه التصريحات والمواقف الروسية عززتها الادارة الروسية بما عرضه جنرالاتها على شاشة أمام المشاركين في  مؤتمر موسكو من رسوم بيانية ووقائع عسكرية حول "امكانيات توجيه صواريخ الحلف الأطلسي للقضاء على صواريخ روسيا بنهاية العقد". وأعلن ماكاروف في مداخلته "أظهرت تحليلات دقيقة أجرتها منظمات أبحاث تابعة لوزارة الدفاع إنه عند نشر المرحلتين الثالثة والرابعة من الدرع، فإن القدرة على اعتراض صواريخ روسية بالستية عابرة للقارات ستصبح حقيقية".
تصبح القضية واضحة في عرض تفاصيل الاهداف العسكرية الاستراتيجية، لاسيما بين المواقف الروسية ومخططات الادارات الغربية. وما يدور حولها يصب في وسائل التضليل والخداع المعروفة، للتمويه على خلخلة التوازن الاستراتيجي وتنفيذ المخططات التي ترسمها الادارة الامريكية ومجمعها العسكري وبتهديداتها المستمرة للمعمورة ولمن يواجهها عمليا.