الأربعاء، 17 يوليو 2013

من يخون بلاده وشعبه؟

طرحت مؤسسات في الادارة الامريكية قضية ادوارد سنودن (29 عاماً)، خبير المعلوماتية السابق في وكالة الأمن القومي الأميركي، الذي كشف عن برنامج "بريزم Prism" الأميركي لمراقبة الاتصالات على الإنترنت، وجمع المعلومات من شتى انحاء العالم، كقضية خيانة وطنية، زادت عليها أصوات من الكونغرس الأميركي، وطالبت بالقبض على "الخائن" ومحاكمته، متناسية دورها وممارساتها او مغلبة الامر كعادتها بأحكام التهم الموجهة للخبير وإنكار خدمته لها، او متغافلة عنها لأسباب اخرى. في الوقت نفسه تحول هذا الشاب الامريكي إلى بطل في أعين المدافعين عن الشفافية وحقوق الانسان والحريات الفردية في العالم بما قام به وكشفه عن عمل وكالة الأمن القومي الأميركي بمراقبة مستخدمين للإنترنت إضافة إلى اتصالات هاتفية في العالم. كما طرحت قضيته اسئلة اخرى اضافية عن سياسات الادارة الامريكية الداخلية والخارجية ومصداقيتها في علاقاتها والثقة بها وحقوق الانسان وغيرها من القضايا الاخرى التي لا يمكن التغافل عنها اخلاقيا وقانونيا. من بينها ما يدور في المجتمع الامريكي بشأن مدى احترام السلطات الامريكية لحق المواطنين في الحفاظ على سرية معلوماتهم الشخصية.
دافع سنودن، الذي كان خلال عمله في وكالة الامن القومي يتمتع بإمكانية الاطلاع على البرامج السرية، عن قيامه بنشر بعض هذه المعلومات، قائلا انه لم يكشف عن اي شيء حول العمليات الامريكية ضد ما وصفه بـ "اهداف عسكرية مشروعة"، بل كشفت تسريباته عن قيام وكالة الامن القومي باختراق البنية التحتية المدنية مثل الجامعات ومؤسسات القطاع الخاص. واتهم سنودن الوكالة بأنها تقوم بعمليات تمس ملايين الناس الابرياء، ولا تحترم حق المواطنين في الحفاظ على سرية معلوماتهم الشخصية.
التحرك الامريكي الرسمي ضد سنودن، وتوجيه تهمة الخيانة إليه تكشف مدى ما اصاب الادارة من تأثير من تعرية هذه الفضيحة الجديدة التي تضيف الى الفضائح الاخرى والفظائع ادلة اخرى ومحاكمات اخلاقية وقانونية ايضا.
حسب اراء نشرتها وسائل الاعلام الامريكية تدعي بان الرأي العام الأميركي يعلق أهمية أكبر على التحقيق في أي تهديدات إرهابية ممكنة أكثر منه على حماية الخصوصية الفردية. ولكن بعد أن وصل عدد الموقعين على طلب الاعفاء عن سنودن إلى مائة ألف، أعلن البيت الأبيض أن الخطوات التالية لن تعلن للجمهور في الوقت الحاضر، حتى يتخذ البيت الأبيض الإجراءات الروتينية لمثل هذه الحالات. بينما قالت مصادر إخبارية أميركية إنها تستبعد كثيرا أن يعفو الرئيس الامريكي عن الشاب، خصوصا في هذا الجو السياسي المشحون، لاسيما وأن نسبة الديمقراطيين الذين ينتقدون سنودن أكثر من نسبة الجمهوريين الذين يتحفظون باستمرار على مثل هذا الموضوع، ويحتجون على التلصص على "اسرارهم الشخصية"!.
كتب جون كاسيدي، صحافي أميركي بريطاني في مجلة "نيويوركر" عن سنودن: "إنه بطل. قدم خدمة عظيمة بكشف أكبر شبكة تجسس في التاريخ، تغطي الولايات المتحدة والعالم. ربما هو مذنب لأنه خرق اتفاقية وقع عليها بعدم كشف أسرار عمله. لكن هذا لا يجعله خائنا".
وكتب دانيال السبيرغ، خبير الأمن المخضرم الذي كان كشف وثائق البنتاغون عن حرب فيتنام سنة 1971 "لا يوجد، في كل تاريخ وطننا، كشف لأسرار حكومية بمثل ما فعل سنودن. هذه فرصة لإفشال مخطط يمكن أن يشبه انقلابا عسكريا ضد دستورنا". لكن، جفري توبين، وهو صحافي في مجلة "نيويوركر" نفسها، كتب: "ليس سنودن إلا مجنون بعظمته، ومحب لنفسه، وليس له مكان غير وراء القضبان". بينما سجلت فاليري بليم، العاملة في وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) سابقا، والتي فقدت وظيفتها كما حصل مع زوجها، آخر سفير أميركي لدى العراق قبل الغزو الأميركي، والذي انتقد خطة بوش لغزو العراق: "ليس سنودن بطلا، وليس خائنا. إنه أميركي تعمد فتح نقاش حول دور أجهزة التجسس في المجتمع، وما هي حدود التجسس". وأضافت: "نحن - المواطنين الأميركيين - يجب أن نثني على سنودن.. ويجب أن نشكره. لقد أثار نقاشا كان لابد أن يثار. ليس أول من يفعل ذلك. لكنه أول من يفعل ذلك مع زيادة وتوسع تكنولوجيا التجسس، ومع زيادة وتوسع الاتصالات بين الناس، داخل أميركا وخارجها، في عصر الإنترنت والفضائيات".!
من جهته ذكر سنودن بملاحظة الرئيس أوباما عن الموضوع في قوله (لن يحصل المرء على أمان 100%، ويحصل ايضاً على خصوصية فردية 100% ايضاً وعلى صفر في موضوعات الازعاج والمضايقات). قائلا: ان ادارة اوباما لم تمنح المجتمع فرصة لمناقشة الامر، وأضاف سنودن، عبارة بنجامين فرانكلين: (أولئك الذين يضحون بالحرية من اجل الامان، لن يحصلوا ولن يستحقوا، أياً منهما).
اوروبيا، كشفت سويسرا أنها طلبت من أميركا توضيح ما تردد من تجسس (سي آي إيه) على بنوكها بعد المعلومات التي كشف عنها سنودن، الذي كان يحمل صفة الملحق الدبلوماسي في البعثة الأميركية الدائمة للأمم المتحدة في جنيف من مارس 2007 حتى فبراير 2009. وصرحت وزارة الخارجية السويسرية بأنها أرسلت رسالة دبلوماسية إلى السفارة الأميركية في برن تطلب فيها "توضيحات".
وكتبت وزيرة الخارجية الاسبانية السابقة انا بالاسيو: "القبول بأن التجسس، هو واقعياً، جزء من مجموعة أدوات الولايات المتحدة، نحن الاوروبيين نتوقع أن يجري ذلك بشكل مسؤول. في الواقع، طرحت اوروبا اسئلة جدية حول ممارسات المخابرات الاميركية. المفارقة المريرة، وفي هذه اللحظة المشؤومة المفاجئة، أن أوروبا والولايات المتحدة بصدد إطلاق مشروعهما المشترك والأكثر أهمية منذ إنشاء منظمة حلف شمال الأطلسي، وهو اتفاق للتجارة الحرة عبر المحيط الأطلسي. من أجل نجاح ذلك، هل من المبالغ فيه حقاً ان نطلب من اميركا ان تلعب دورها على الصعيد الدولي بمهارة واحتراف، وان تعامل شركاءها باحترام اكثر؟"
يبقى سؤال رئيس: من يخون بلاده وشعبه؟، هل هو الشاب الجريء الذي فضح جريمة ام مرتكب الجريمة والمدافعون عنها؟!.