ماذا سيكتب التاريخ عن هذه الفترة الزمنية التي تعيشها القضية الفلسطينية؟. منذ نشوئها والتاريخ يسجل خذلان القيادات والنظام العربي الرسمي للشعب الفلسطيني. فمن الاسلحة المغشوشة الى التنازلات والهدنات، الى التواطؤ والانهزام، الى المفاوضات والاتفاقيات والاذعان والتطبيع و.. وهذه كلها موثقة. صفحات التاريخ تشهد بها، حين ركنت القضية على الرفوف ولولا دماء وبطولات ابنائها الحقيقيين لما اعيد ذكرها، ولولا الانتفاضات المتتالية والاستشهاد من اجلها لما استعيدت الى الواجهة وأصبحت القضية المركزية، عنوانا ومهمة تحررية للشعب الفلسطيني والعرب جميعا، شعوبا وحكومات، منظمات وجامعة حكومات عربية. كل ما حدث في فلسطين كان يجري سرا ولا يعلن امام الرأي العام الا بعد انقضاء زمنه او تغييب الراي العام، واصحاب القضية عنه عمدا. اما اليوم فيصعب اخفاؤها.. كل الامور واضحة ومعلنة ووسائل الاعلام تنشر وتثبت الوقائع بالصوت والصورة. رغم كل محاولات الاخفاء والاتفاقيات السرية والتنكر لما يتسرب منها.
جامعة الحكومات العربية، التي يحاول امينها العام نبيل العربي في مؤتمراته الاعلامية البسلمة بها، وبأنه لابد ان يبدأ حديثه عن القضية الفلسطينية كقضية مركزية، استلم ملفها من سلفه مرسلا الى مجلس الامن اسما وواشنطن اساسا لقراءة الفاتحة عليه، وجدد هو الامر بقراءة الفاتحة بالعربية، بتسليم الملف الى لجنة عربية، لا حدود عندها للتفريط بالقضية وبالتخادم مع المخططات الصهيو امريكية المبيتة للقضية اساسا وللمنطقة العربية عموما. فجاءت زيارة اللجنة العربية الاخيرة لواشنطن وخروج رئيسها، وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني مع نظيره الامريكي جون كيري علنا وأمام العالم معلنا موافقة لجنته على تنفيذ "اتفاقية السلام" وتبادل الاراضي مع التطبيع الكامل مع الكيان الاسرائيلي. وكانت المبادرة العربية التي اتفق عليها في مؤتمرات قمم متعددة منذ اطلاقها قبل اكثر من عقد من الزمن حملت بدايات التنازلات العربية ومؤشرات الخضوع التي تواصلت لزيارات العار واتفاقيات كمب ديفيد وأوسلو ووادي عربة وما تلاها وسبقها وارتبط بها وارتهن بسلاسلها. ورغم كل ذلك رفضت من الطرف الاخر الموجهة له في اكثر من اعلان رسمي وتصريح من قيادات الاحتلال الصهيوني والقاعدة الاستراتيجية الغربية في المنطقة. ومع ذلك تصر الجامعة وأمينها العام ورئيس لجنة المبادرة العربية في المضي بها والتبجح بجهود متواصلة من اجلها، وصولا الى المساومة بقبول فكرة التفاوض عليها وتسليم إدارة المنطقة كاملة للادارة الامريكية وقاعدتها الاستراتيجية وبالمال العربي الذي يتحكم به من يسعى الى تنفيذ المبادرة الامريكية الجديدة، دون استشارة او سماع أي رأي لأهل القضية او مناصريهم في المنطقة.
وقائع اللقاء التلفزيوني في واشنطن كشفت اوراق اللعبة وسربت اوساطها ما تريده في وسائل الإعلام خاصة الناطقة باللغة العربية، والمملوكة لأصحابها، والتي فضحت هي الاخرى اسباب نشوئها وحدود اهدافها. اللجنة العربية عرضت المبادرة المرفوضة ولم تكتف بها وحسب بل وبالتنازل في موقفين آخرين. الاول في اعلان استعداد عربي، وفلسطيني رسمي طبعا، لإحياء فكرة التنازل الكلي عن حدود العام 1967، التي كانت جوهر المبادرة القديمة، لمصلحة فكرة تبادل الاراضي، التي هي فكرة صهيونية ذات طابع احتلالي عنصري، يقضي بأن لا تكتفي التسوية بإلغاء مفاعيل الجريمة الاصلية للعام 1948، بل التسليم للكيان الاسرائيلي بكل ما قام به في الضفة الغربية من جدران وتخريب معالم، وبناء مستعمرات استيطانية كبيرة وصغيرة، في شتى ارجاء فلسطين المحتلة، وليس اخرها ما يسعى له في القدس الشريف. والثاني يكمن في الحرص على إلغاء اي ذكر لحق العودة للشعب الفلسطيني المهجر والمشتت الى جميع انحاء فلسطين التاريخية، وليس فقط الى ما تبقى من اراضي الضفة الغربية. (كم نسبتها من ارض فلسطين؟) والأخطر في كل ما حصل ويحصل هو مساعي تمرير هذه التصفية على حساب الشعب الفلسطيني وقضيته والقضايا العربية الاخرى في هذا الزمن الساخن في العالم العربي. وتهديد القوى والشخصيات المعارضة والمقاومة لمثل هذه الخطط بكل ما لدى الاطراف الساعية الى التصفية من ثروات وعلاقات واتفاقيات وقواعد عسكرية وتخادم واضح وعلني.
لعل غزوة وزير الخارجية الامريكية للمرة الرابعة الى فلسطين في 21 أو 22 أيار/ مايو 2013، وكما نقلته وسائل الاعلام كاشفة كل تلك المخططات وواضعة امام الجميع الخطر الداهم بكل تفاصيله، ودق ناقوس النكبة الجديدة للشعب والقضية والأمن العربي والسلام في المنطقة والعالم. فحسب وسائل اعلام تنص الخطة الأميركية، "على إقامة دولة فلسطينية ضمن حدود 67، وتطبيق فكرة تبادل الأراضي بين الجانبين، في حين يساهم حلف شمالي الأطلسي في مسألة الترتيبات الأمنية، وخصوصاً في منطقة غور الأردن، بالإضافة الى اعتراف الدول العربية بيهودية "إسرائيل"، على أن تتولى السلطة الفلسطينية المسؤولية الأمنية في مناطق من الضفة الغربية، بحيث تمتد لتشمل مناطق الرام وعناتا وأبو ديس والعيزرية الواقعة داخل حدود القدس الشرقية. في المقابل، يتعهد الفلسطينيون بعدم التوجه الى المنظمات الدولية للحصول على الاعتراف بالدولة الفلسطينية وعضوية فلسطين في العديد من الهيئات والمؤسسات التابعة للمنظمة الدولية"(!).
أشارت القناة العاشرة "الاسرائيلية" الى أن كيري يعتزم عرض هذه الخطة على طرفي المفاوضات. وقالت "إن الجديد في هذه الخطة هو الدمج بين الحلف الأطلسي والترتيبات الأمنية، وتناول مسألة الاعتراف بيهودية الدولة العبرية، إلا أنها لم تتطرق الى مسألة اللاجئين والمياه وعاصمة الدولة الفلسطينية وسيادتها على الأماكن المقدسة".
هذه تنازلات جوهرية وأساسية تقدمها الجامعة العربية على حساب حقوق الشعب الفلسطيني والقضايا العربية الاخرى وتعرض مصير الشعب الفلسطيني وجيرانه لرغبات وأوهام من يقود العمل السياسي العربي الرسمي ويتخادم مع المخططات الصهيو امريكية في المنطقة ورسم خارطتها الجديدة. تصفية صريحة تصب في خدمة المصالح الصهيو امريكية ومشاريعها في العالم العربي وخارجه، يتطلب مواجهتها وقراءة صفحات التاريخ مجددا.