ليس جديدا ما يتعرض المشرق العربي له من سيناريوهات لمخططات
عدوانية توصل كلها الى خطر فعلي، ولكن الجديد فيها قد يكون اشد خطورة من خطط
الاستعمار البريطاني وإجراءاته قبل قرن مضى. سعة المشاركات فيها والتواطؤ كما كانت
سابقاتها تثير او تؤشر الى طبيعتها ووراثتها للاحلاف العسكرية العدوانية التي كان يرسمها
الاستعمار الغربي في المنطقة. والمتابع لما يجري هذه الايام خصوصا يتوصل الى ان
غيوم العدوان والتقسيم والتدمير لدول المشرق العربي التي واجهت احلافه تتلبد علنا وتتشكل
مشاهدها، كما ان هناك اعلانا عن توافقات تقدم فيها اطراف عربية ما تتحكم فيه من
ثروات وأراض مشرعة لقواعد عسكرية ومساعدات لوجستية وتخادم صريح وتعاون واضح
ومتكامل مع تلك السيناريوهات العدوانية.
الحديث عن السيناريوهات بات علنا وبلا حرج، في اجتماعات رسمية
موثقة تقودها الادارة الامريكية مباشرة، سواء من قبل اجهزتها او وزراء خارجيتها او
حربها. وتسرب بعضا منها عبر وسائل الاعلام لزيادة التاكيد عليها ولجس النبض فيها
وقراءة ما قد يعترضها في اية حالة منها. وهي تطبخ تحت نار هادئة. تذكر بما جرى سابقا
مع العراق قبل احتلاله، واعادة انتاج الصورة ذاتها بأشكال مشابهة. تهربا من اداور
معلومة وما اصاب الشعب العراقي جراء ما حدث. (إلا ان الرياح لا تجري دائما كما تشتهي السفن!).
في عواصم عربية اجتمعت لجان الحرب والعدوان، ترأستها وزيرة
خارجية امريكا هيلاري كلنتون قبل انهاء اعمالها ومن ثم يواصلها خلفها جون كيري
وقواد الحرب والبنتاغون من فترة وأخرى. ويقوم وزير الحرب تشاك هيغل بالتوقيع على
نسخة اخيرة ببيع كميات هائلة من الاسلحة الى بلدان عربية لإنقاذ الاقتصاد الامريكي
ومساعدته على حل ازماته من جهة ولتحشيد الساحات امام السيناريوهات المخططة للمشرق
العربي من جهة اخرى، او في الوقت نفسه. وإذا كانت الخطط السابقة بدون أي دور
للكيان الصهيوني فان هذه المشاريع تقوم بمساهمة فعالة منه وبموافقة كاملة من
الاطراف العربية المتفاعلة مع هذه السيناريوهات، وهناك وقائع مدونة تؤكد أن "دولة" عربية اصرت على الكيان الصهيوني بضرورة
السير بفكرة الإعداد لعمل عسكري ضد سوريا، تحت مسمى "تهديد الترسانة
الكيميائية السورية".
من جهة اخرى نشرت وسائل
الاعلام عن ارسال 200 جندي امريكي الى الاردن، بعد ان كان قد وصلها حوالي 150
جنديا في فترة سابقة. وهذه القوة هي طليعة قوة عسكرية تضم نحو 20 ألف جندي، من
المقرر وصولهم الى الحدود السورية الاردنية. كما كشفت صحيفة لوس انجلس تايمز
(17/4/2013)، وأوضحت ان القوة العسكرية التي ارسلها البنتاغون تتضمن وحدات مختصة
بحراسة الأسلحة الكيماوية، وأخرى من الدفاع الجوي لتأمين المجال الجوي الأردني،
إلى جانب قوات مقاتلة لتشارك في أي تدخل عسكري في سوريا يقرره البيت الابيض. ورغم
استمرار النقاش بين وزير الحرب والإدارة وكذلك قيادات الجيش والبنتاغون
واختلافاتهم حول ما تقوم به الادارة الامريكية وما ينتظرها من نتائج عملية، لاسيما
بعد تجربتها في افغانستان والعراق، فان القوات العسكرية بدأت في انشاء قاعدة
عسكرية لها في الأردن. كما ان الاستعدادات العسكرية والتحضيرات قائمة ومتواترة
واعادة انتاج الادوار العدوانية والخدمات اللوجستية مستمرة، رغم اختلاف الظروف
وتباينات الاوضاع.
ما نشرته وسائل اعلام (19/4/2013) عن صفقات الاسلحة افادت ان
قيمتها للبلدان العربية بلغت عشرة مليارات دولار امريكي، بينما تباع للكيان
الصهيوني "مجانا"، وليس هذا وحسب، وانما نوعيتها وخدماتها، ومن بينها
اسلحة تصدر لاول مرة خارج الولايات المتحدة، وفق ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز
(18/4/2013)، تحت غطاء مساعدة الدول الثلاث على مواجهة أي تهديد من جانب إيران (!).
وتشمل غزوة هيغل الكيان والأردن والسعودية ومصر والإمارات، ولا يغفل تركيا وخطط
المناورات المشتركة والأدوار الجديدة لها، مع تصريحات قيادات الناتو حولها. وتاتي
بعد صولات الرئيس اوباما والوزير كيري.
بالتأكيد تسعى الادارة الامريكية الى هذه الصفقات العسكرية
الكبيرة، و"تريد الحفاظ على التفوق النوعي الإسرائيلي بالتوازي مع ذلك".
وحسب وكالة رويترز عن مسؤول صهيوني إن "إسرائيل" تدرس عرضا أمريكيا
لتزويدها بصواريخ مصممة لاستهداف رادارات الدفاع الجوي، وبأنظمة رادار متطورة
للطائرات الحربية، وطائرات للتزويد بالوقود في الجو، ونظام ذخيرة موجهة، لكن
المسؤول لم يخض في التفاصيل. وأضاف أن هذه الأنظمة ستمول من المنح العسكرية
الأمريكية. (فهل
قرأ المسؤولون العرب ذلك؟!)
انتقدت الخارجية الروسية إرسال قوات أميركية إلى الأردن
والمعلومات التي تتحدث عن إمكانية نشرِ صواريخ باتريوت على حدوده معَ سوريا
(19/4/2013). صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الروسية الكسندر لوكاشيفيتش
"إنها ليست على الإطلاق التحركات اللازمة للخروج من المأزق في سوريا. هذه
التحركات ستفاقم الأزمة في سوريا التي تتخذ بعد كارثة إقليمية".. وقال
لوكاشيفيتش "إن عمل الأطراف كافة يجب أن يتركز على إطلاق العملية السياسية في
سوريا لا على تصعيد التوتر على الحدود مع هذا البلد" .وأضاف "نحن نعتبر أن مثل
هذه الخطوات يتعارض مع الالتزامات السياسية والمواقف التي تم الاتفاق عليها في
جنيف من قبل كافة اللاعبين الخارجيين الأساسيين للتسوية السورية العام
الماضي". وكرر دعوته "الشركاء الغربيين والإقليميين بالامتناع عن هذه
الممارسات الخطرة والانتقال الى الإيفاء بالتزاماتهم السياسية".
وبموازاة ذلك تسخّن المشاهد السياسية في لبنان والعراق،
وتتازم الحالات السياسية والاجتماعية فيهما في توجيه وتخطيط واضحين لاشغالهما
والتفرغ للسيناريوهات المبيتة. كما يحصل الامر مع الشعب الفلسطيني الذي يراد منه
قبول ما يطرحه الاحتلال وقياداته اليمينية المتعجرفة من ضغوط قاسية للسير في عملية
تصفية القضية والحقوق المشروعة.
هذه بعض الوقائع على الارض في المشرق العربي فهل ستاتي نتائجها كما
يطبخ لها وكم من الدماء العربية ستكون وقودها؟!. واسئلة اخرى مفتوحة!.