الاثنين، 25 فبراير 2013

انتحار امريكي


لم تكن اخبار انتحار الجنود الامريكيين مجرد ظاهرة عادية، او حالات عابرة.. ورغم محاولات التستر والتهرب من تركيز الاضواء عليها، فهي تتضمن ارقاما ليست قليلة وتشكل في قياسات الاعداد والأرقام حجما كبيرا، وهي في كل الاحوال خسائر بشرية غير قليلة ومكلفة ماديا وأخلاقيا وقانونيا وإنسانيا. وإذا اضيفت الى اعداد القتلى والجرحى الذين قتلوا او اصيبوا على الاراضي التي قام هؤلاء الضحايا بتنفيذ اوامر الادارات الامريكية بالممارسات الوحشية للاحتلال والغزو والحرب، فان النتائج تصبح مثيرة ومقلقة للرأي العام الامريكي ولغيره، وتكون درسا تاريخيا يتطلب قراءته بتأمل وتمعن وجدية مسؤولة.
ان تصبح الظاهرة ملفتة للانتباه وان تُشبهها مصادر اعلامية وعسكرية وطبية امريكية بالوباء فأنها تعني امرا كبيرا، ولكن هل تعني كثيرا لمن يخطط للإدارة الامريكية والبنتاغون ويرسم خرائط حروبها الامبراطورية؟. ماذا تعني مثل هذه المأساة داخل الجيش الاميركي: حيث مقابل كل جندي يقتل خارج الولايات المتحدة، ينتحر نحو 25 من قدامى "المحاربين" داخلها؟!
وفق التقارير الامريكية، يقتل جندي اميركي كل يوم ونصف، كمعدل، سواء أكان في العراق أو أفغانستان. اما "المحاربون القدامى" فيقتلون أنفسهم بمعدل واحد كل 80 دقيقة. تم تسجيل أكثر من 6500 حالة انتحار في كل عام، أكثر من إجمالي عدد الجنود الذين قتلوا في افغانستان والعراق مجتمعين منذ بدأت تلك الحروب.
حسب وكالات الاخبار (16/1/2013) ان وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) كشفت في تقرير لها عن تزايد معدلات الانتحار بين جنود الولايات المتحدة خلال العام الماضي، والتي سجلت رقما قياسيا وصل إلى 349 حالة. وأشار التقرير الى أن عدد المنتحرين من أفراد القوات الأميركية خلال العام 2012 تجاوز الأعداد المسجلة منهم خلال العام 2011 والذي بلغ 301 حالة. وأشارت شبكة "سي بي اس" الاميركية الى أن المسؤولين في البنتاغون يبذلون جهودا مكثفة من أجل التعامل مع عمليات الانتحار، التي وصفها وزير الحرب ليون بانيتا بأنها أصبحت بمثابة "وباء"، مشيرة إلى أن مشكلة الانتحار تعكس مشاعر التوتر الحاد بين صفوف القوات التي تحمل أعباء القتال منذ أكثر من 10 أعوام في أفغانستان والعراق.
وتجاوز عدد الجنود المنتحرين عدد القتلى أثناء العمليات القتالية في أفغانستان خلال العام الماضي والذي وصل إلى 295 قتيلاً، فضلا عن وجود 59 حالة انتحار في صفوف القوات الجوية بزيادة قدرها 16 في المئة عن العام 2011، فيما بلغ عدد المنتحرين في القوات البحرية 60 حالة بزيادة قدرها 15 في المئة عن العام 2011. ولم يقدم تقرير البنتاغون أسبابا كافية ومفهومة لتفسير زيادة حالات الانتحار بين الجنود الأمريكيين، لكن الدراسات المعنية تشير إلى تزايد القلق والمشاكل الصحية والمالية ونقل الجنود بين أكثر من موقع بالخارج.
كانت هناك تقارير اخرى تفضح هذه الظاهرة وتكشف الحالات كما هي، لا كما تريدها وزارة الحرب. وتتضارب الارقام والنسب فيها، ولكنها تجمع على فداحة الحصاد وإرتفاع معدلات الإنتحار بين "قدامى المحاربين" الأميركيين. ( وكالات 2/2/2013)
منها الدراسة التي نشرتها وزارة شؤون قدامى المحاربين وشملت الفترة من عام 1999 إلى عام 2010 وبالمقارنة مع دراسات سابقة أقل دقة فان تقديراتها أشارت إلى 18 حالة وفاة يوميا في الولايات المتحدة. وقالت الوزارة إن أكثر من 69 في المئة من حالات الإنتحار بين المحاربين القدماء كانت بين الأفراد الذين تبلغ أعمارهم 50 عاما فأكثر.
قال عنها السناتور الديمقراطي باتي موراي، الذي تبنى تشريعاً يدعم الرعاية الصحية للمحاربين القدماء "تقدّم هذه البيانات صورة أكثر دقة وهي صورة محزنة بل مثيرة للانزعاج عن معدلات إنتحار المحاربين القدامى." وبالتأكيد تشغل مثل هذه التقارير والدراسات المسؤولين المباشرين عن الجنود او المؤسسات المكلفة بهم، ولكنها لا تحد من مخططاتهم ومشاريعهم العدوانية، كما هي طبيعة نظامهم وجشع مؤسساتهم المتنفذة.
إليزابيث ريتشي - وهي عقيد متقاعد وكبيرة استشاريي الطب النفسي لقسم الجراحة العامة في الجيش- صرحت لمجلة تايم الامريكية "إن التزايد المستمر في معدلات الانتحار أصابت الجميع في الجيش بالإحباط". وعزت ازدياد حالات الانتحار في بعض جوانبها إلى ارتفاع وتيرة العمليات القتالية وزيادة نشر الوحدات العسكرية مما يعني أن القادة لا يعرفون حقا جنودهم، وكذلك سهولة الحصول على الأسلحة النارية والتي تؤدي إلى الكثير من حالات الانتحار وجرائم القتل أحيانا.
وتعتبر الحرب في أفغانستان، التي بدأت عام 2001، واحدة من أطول الحروب التي شنت في تاريخ الولايات المتحدة. وقد تم نشر العديد من الجنود لمرات عدة وغالبا لمدة عام أو أكثر في كل مرة، وهم يعانون من اضطراب إجهاد ما بعد الصدمة الذي غالبا لا يتم تشخصيه أو علاجه. وكذلك الحروب الاخرى التي قامت بها قوات الولايات المتحدة بالعدوان والغزو والاحتلال لبلدان اخرى. فهذه الحروب غير العادلة والتي تخطط لها الادارات الامريكية وتضعها في مشاريعها الامبراطورية لها تداعياتها ونتائجها على قواتها التي تقاتل بها وترسلها الى اماكن بعيدة عنها ويكتشف الجنود فيها انهم مكلفون بمهمات قذرة ولا انسانية وليست كما ثقفوا بها او ارسلوا من اجلها. هذه الارقام والأعداد هي جزء من حصيلة ما ارتكبت الادارات الامريكية من جرائم ضد الشعوب التي ابتلت بها. وهي في كل الاحوال لعنة تاريخية وحساب عسير يتمدد ويتسع في صفوف اصبحت معروفة في التقارير والدراسات، ولكنها لن تنتهي عند هذه الحدود ولا عند هؤلاء الضحايا. اعداد المنتحرين من الجنود المحاربين من كل صنوف القوات المسلحة مؤشر واضح على الجريمة التي ارتكبت وعلى حجم الخسائر الامريكية، وتشكل انتحارا امريكيا مكشوفا، وتضع بالمقابل تساؤلا صريحا عن حجم الخسائر البشرية والمادية التي دفعتها الشعوب والبلدان التي تعرضت للغزو والحرب والعدوان الامريكي ومن يتحالف معه ويراهن عليه.