الثلاثاء، 1 يناير 2013

عار أفغانستان

في 7 تشرين أول/ اكتوبر عام 2001 غزت القوات الامريكية وحلفاؤها افغانستان واحتلت البلاد وأسقطت حكومة طالبان ولاحقت اعضاءها وقيادات طالبان في البلاد وخارجها. متنكرة لما قامت به من ادوار في صناعتها مع المال العربي والتعاون الاقليمي وتسليمها الحكم في افغانستان. وسبّقت الحل العدواني على غيره لتنفيذ مخططات الهيمنة الامبريالية والاستحواذ على الثروات والتحكم فيها وفي طرقها وفرض خياراتها على الشعوب والقوى العالمية الاخرى. فلم تحسب للتفاوض او الحوار مع تلك الحكومات، سواء في افغانستان نفسها او جيرانها او اية قوة اخرى يمكنها ان تتعاون مع السياسات الامريكية دون حروب وغزو وانتهاكات فظيعة. فاندفعت الى الغزو والاحتلال ثم تعيين حكومة بوجوه افغانية، ضربت مثلا في التخادم مع قوات الاحتلال. وأصبح اسمها مثالا لغيرها في اية عملية سياسية. ولم تعد القوات المحتلة قادرة على الاستمرار في وسائل احتلالها بسبب الرفض الشعبي والعمليات المسلحة التي تخوضها القوى المتضررة من الاحتلال بمختلف الوانها وتنوعاتها والجهات الداعمة لها. الامر الذي اضطر قوى الاحتلال الى الهروب، متناسين ادوارهم في صناعة الاوضاع فيها وسياساتهم التي وصلت بهم الى الغزو والاحتلال.
لم يكن التوجه الى الانسحاب رغبة او اختيارا وإنما، كما تثبت الوقائع، اضطرارا وهزيمة بكل معانيها. وتشرح ذلك استطلاعات الرأي وإحصائيات الخسائر الجسيمة التي تكبدتها وما زالت تأن منها. وظلت الاوضاع رغم الاحتلال متدهورة ولم يقدم الاحتلال اية مساهمة في خدمة الاهداف الموضوعة له وتحسين احوال الشعب الافغاني. ( هل هناك احتلال عمل على بناء بلد وتنمية مستدامة؟!) ورغم كل ذلك تتسابق الان الحكومات التي رغبت واشتركت في الاحتلال في تحديد تواريخ هزيمتها وهروبها من الارض الافغانية، ولم تتساءل عن الثمن الذي دفعته والذي خططت لاستلامه من جرائمها في تلك البلاد. مع التخطيط لمشاريع اخرى تحافظ على الاهداف الاستعمارية واستمرار الاحتلال بأشكال اخرى وفي الظروف ذاتها والمساعدات العربية أيضا بعيدا عن التفكير بالتنمية وتطوير حياة الشعب الافغاني.
بعد ان انجز الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند وعده الانتخابي بسحب قواته من افغانستان والهزيمة المبكرة منها خلال العام، قبل عامين من موعدها المتفق عليه، كرت مسبحة البلدان الاخرى التي شاركت في جرائم الغزو والاحتلال. بريطانيا عزمت ايضا على الانسحاب خلال العام القادم. رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون اكد على الانسحاب خلال زيارته الاخيرة لافغانستان في 21/12/2012. وزير حربه شرح في تشرين الأول/ اكتوبر الماضي خطط سحب قواته عام 2013. رادا على سؤال لهيئة الاذاعة البريطانية (بي.بي.سي) بشأن حجم الانسحاب: "أتوقع أن يكون كبيرا وهذا يعني الآلاف وليس المئات. ولكني لا أتوقع أن تكون الأغلبية." ومن المقرر ان تستكمل القوات البريطانية القتالية انسحابها من افغانستان نهاية عام 2014. ولكن لماذا هذه الانسحابات المتواصلة؟. لم تعد خيارات ادارات الاحتلال كثيرة. الازمات الاقتصادية الداخلية والخسائر البشرية والمادية الجسيمة مستمرة وباضطراد.
الحكومة الالمانية هي الاخرى وافقت على تقليص عدد قواتها المتمركزة في أفغانستان الى اقل من 4000 قبيل انسحاب قوة المساعدة الأمنية الدولية بقيادة حلف الاطلسي/ الناتو بحلول نهاية 2014. ذكرت مجلة دير اشبيغل ان وزير الحرب الالماني ووزير الخارجية اتفقا على ان يمتد التفويض الجديد للجيش لأكثر من 12 شهرا كما جرت العادة حتى يستمر لما بعد انتخابات الرئاسة الأفغانية المزمع اجراؤها مطلع 2014. وقالت متحدثة باسم وزارة الحرب الالمانية انه لم يتم تحديد الأعداد او الجدول الزمني للانسحاب. وان قرارا بشان عدد القوات التي يمكن سحبها سيتخذ بالاتفاق مع حلفاء ألمانيا. بينما سحبت بلجيكا واستراليا قواتهما.
على العموم لم تعد الهزيمة مسألة عنوان فقط، فقد فرضت وقائع الحال على كل قوات الاحتلال وقياداتها وضع خططها والانسحاب السريع والتخطيط لمشاريع أخرى كما هو مخطط الان ببناء قواعد استراتيجية موزعة في المنطقة كلها، ومنها افغانستان طبعا، واستخدام طائرات بلا طيار للإيغال في الدم الافغاني وجرائم الحرب، واستمرار الهيمنة الامبريالية.
أكد مارك ويزبروت المدير المشارك لمركز أبحاث الاقتصاد والسياسة في الولايات المتحدة على موقع ستارز وستريبس الإلكتروني الأميركي: "إن غزو العراق كان كارثة على نطاق كبير مع مقتل أكثر من مليون عراقي وأكثر من "4400" جندي أميركي دون هدف وعودة مئات الآلاف من الجنود الأميركيين إلى بلادهم وهم يعانون من إصابات في الدماغ أو صدمات نفسية مع مستقبل قاتم لفرص العمل لهم". وهذا هو عار الاحتلال.
ونقل الموقع عن زميله روبرت نايمان قوله: إن القادة الغربيين إلى حد كبير تخلوا عن محاولتهم تفسير أو تبرير سبب وجود القوات الغربية في أفغانستان وسبب تواصل تنفيذ هذه القوات عمليات القتل وتعرضها للقتل.
وكتب: إن الأمر المثير للسخرية هو انه من المرجح أن ينتهي المطاف بالولايات المتحدة في تفاوض مع تنظيم طالبان لإنهاء الحرب على أفغانستان وهو الأمر الذي رفضته الحكومة الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر عندما غزت أفغانستان بدلا من ذلك.
أضاف أن مرور 11 عاما من الغزو ومقتل أكثر من ألفين من الجنود الأمريكيين وإصابة عشرات الآلاف منهم كان دون هدف ليتم بعدها الوصول إلى نفس الفرصة التي كانت متاحة أمام الولايات المتحدة دون أن تخوض حربها الأطول التي قتل خلالها الآلاف من الأفغان وأسفرت عن معاناة السكان بشكل كبير.
احصاء الخسائر البشرية والمادية لحلف الناتو في افغانستان والخسائر البشرية والمادية الافغانية يظل عارا كبيرا، مثل عار فيتنام، الذي لا ينسى في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية. وسيظل كذلك كلما بقي جندي محتل وكلما سقط قتيل افغاني. وما دامت الحرب قائمة.. وتاريخ الحروب والاحتلال في افغانستان حفل بهزيمة المحتلين، فان ما بقي منها ويبقى هو العار.