الثلاثاء، 11 ديسمبر 2012

سياسات بوتين واردوغان وحكمة تشيخوف

نشرت وسائل الاعلام الكثير من المقالات والرسائل عن نتائج الزيارة الاخيرة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتركيا ولقائه ومباحثاته مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان، وخصوصا ما يتعلق بالأوضاع العربية، والسورية تحديدا. فمنها من اعتبر بعض التصريحات الروسية تغيرا في موقف موسكو وتطابقا مع الموقف التركي ومنها من اعتبرها استمرارا للتناقض والصراعات التاريخية بين البلدين، وكلاهما لم يميز بين اهداف كل من الطرفين وسياساتهما الاستراتيجية في المنطقة بالذات وحسابات كل طرف وخططه وتحالفاته وبرامجه العملية.
لقد تجاوز المسؤول التركي في حساباته حول البلدان العربية وخالف شعاراته وسياساته وزاد عليها بعد الصد الاوروبي لطموحاته في الانتساب الى الغرب وتقديمه التنازلات، لاسيما في التحول الى او العودة الى منهج الجندرمة العثمانية والتوجه الى الشرق، مع  العمل في صناعة المشاكل والخطط المعادية والموجهة بالضد من مصالحه الاساسية وما قام به في بدايات استلام حزبه السلطة والحكم في انقرة. وهو ما عبر عنه، سواء في مؤتمره الصحفي الاخير مع ضيفه الروسي او تصريحات اخرى له ولوزير خارجيته داود احمد اوغلو. والأخير وضح في تصريحات له اضافات اخرى عن ذلك المنهج العدائي لدول الجوار العربي والإسلامي، والتعامل معها بعجرفة لا تتناسب مع مكانة وموقع بلاده، الجغراسياسي والتحولات العالمية. وكذلك تناقضه مع ادعاءاته في اطروحته التي روج لها بعض العرب والفضائيات المحسوبة عليهم والتي سماها بتصفير المشاكل، بينما الان يعمل على تفريخ المشاكل، مع الجيران والأبعد منهم ايضا، بمن فيهم روسيا طبعا. وعليه الان تغيير اسم اطروحته تلك لتتوافق مع اعماله وتصرفاته وسلوكه المعلن.
تعيش تركيا اليوم معضلة حقيقية، اذ لم يعد الحزب الحاكم ولا رجالاته النموذج الذي بدأ عهده، وإنما تحولت تركيا الى خنجر بيد حلف الناتو وأسياده، وأداة معلنة ضد حركات التحرر الوطني العربية باسم حزبها الذي تمكن من التضليل والمسرحة والاستنساخ العربي لتحالفات طائفية مقيتة تزيد اعباء مكثفة لعرقلة التقدم والبناء والتنمية والحرية والعدالة المنشودة. ولعل استنجاد اردوغان وأصحابه بحماية حلف الناتو لهم من اخطار وهمية ومعادلات غير متكافئة دليل قاطع على تلك التحولات في السياسات التركية والخطر الاكبر منها في مستقبل العلاقات التركية العربية خصوصا. محاولات تركيا وإدارتها الحالية لملأ فراع انهزام الاستراتيجيات الامريكية في المنطقة كشف فراغا استراتيجيا في سياساتها وخططها العثمانية المرفوضة سلفا. وبها تصل السياسات التركية الحالية الى طريق معاداة الشعوب المجاورة لها وتازيم حالات الامن والسلم في المنطقة والانتقال الى قاعدة اخرى، تتوازى مع القاعدة الاستراتيجية الصهيونية، للهيمنة الاستعمارية وضرب طموحات الشعوب العربية وأصدقائها في التنمية والعدالة والحرية والتقدم. وقد يكون بسط اراضيها لتسهيلات وخدمات الناتو، من الدرع الصاروخية الى صواريخ الباتريوت، وغيرها شاهدا مضافا الى ما يحصل من متغيرات في المواقف والأدوار التي تقوم بها تركيا حاليا.
خلال الزيارة الاخيرة للوفد الروسي وضح اهتماماته الاساسية في الاقتصاد والتجارة وطرق الامداد لسلعه الاستراتيجية وكذلك للضغط على الادارة التركية من خلالها في السياسات الاخرى ووضعها امام مصالحها الفعلية وتقديمها لشعبها بما يوضح تغيراتها وتناقضاتها الاستراتيجية. وأمام ذلك تناقضت تصريحات وزير الخارجية التركي اثناء انعقاد مؤتمر حلف الناتو وما تناقلته وسائل الاعلام التركية نفسها.مما يبين مدى فقدان صدقية الوزير وارتباطاته في تشويه الحقائق وجر بلاده لخدمة مشاريع واضحة الاهداف والمرامي، والاستجابة المخزية لاملاءات الامبراطورية الامريكية.
كتب الصحافي التركي سامي كوهين في صحيفة "ميللييت" مقالا بعنوان: "معيار دقيق" ورد فيه: "مَن تراجع إلى الوراء، رئيس الحكومة رجب طيب اردوغان أم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؟ هذا هو السؤال الذي شاع بعد انتهاء زيارة بوتين إلى أنقرة. ومع أن اللقاءات أظهرت اختلاف وجهات النظر حول الأزمة السورية، لكن يبدو انه كما تركيا كذلك روسيا قد رسما معيارا دقيقا تجاه هذه الأزمة. طبعا هذا لا يأتي بمعنى أنهما تخليا عن موقفهما الأساسي وأنهما تراجعا خطوة إلى الوراء، لكن أنقرة كما موسكو دخلت مرحلة من الليونة المتبادلة. وفي الحقيقة ان الطرفين امام مهمة صعبة، وسنرى في الأسابيع المقبلة اية نتيجة ستخرج منها".
بينما عرض وزير الخارجية الروسي لافروف موقف بلاده من المتغيرات التركية والاستجابات السريعة للناتو وأسياده في تصريحات واضحة مبينا خطورة ما تقوم به تركيا وقلقه من استمرارها بالشكل الذي يمكن ان يقود الى احتمال استخدامها او اللجوء اليها عند أي استفزاز من أي طرف من اطراف النزاع.
بغض النظر عما حصل وحدث فعلا في المباحثات، وعما سرب منها وروج له فان حكمة الكاتب الروسي الشهير انطون تشيخوف التي قالها الرئيس الروسي امام رئيس الوزراء التركي تعطي ما اراده الروس وما يتوجب على الاتراك فهمه، من خلال تخادمهم مع الناتو وأسياده وما سيجره عليهم من تبعات وتداعيات. تلك الحكمة التي تقول: البندقية المعلقة على الحائط في بداية المشهد المسرحي لابد ان تستخدم في نهايته.  وهو الامر الذي اشار اليه الوزير لافروف في تصريحاته السابقة وأكد عليه منبها ومحذرا من مغبة التمادي في الاستخدام المفرط والمبالغ فيه والبعيد عن وقائع الحدث الرئيس. كما ان التسريع في تقديم الخدمات ونصب الصواريخ، ومهما كانت الحاجة او الضرورة لها فان العواقب منها ليست بسيطة ولا تتوقف عند الايعاز بوجودها فقط. وهذا التحشيد العسكري والتوافقات الخطيرة بين الناتو وأعضائه، بمن فيهم تركيا يؤكد موقف تركيا العسكري وحساباتها المعادية للشعوب الجارة لها. ولعل الاعتبار من حكمة تشيخوف والاستماع لها بما يخدم المصالح المشتركة، تسود في نهاية المطاف وتتغلب على الاوهام والحسابات العثمانية وتعمل تركيا ضمن اطر القانون الدولي والعلاقات السليمة بين الدول والجيران اساسا.