الثلاثاء، 18 سبتمبر 2012

انتخابات فقدان الثقة

من الان والى السادس من تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 موعد الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الامريكية يعيش الرأي العام الامريكي والعالمي بشكل خاص اجواء مختلطة بين الوعود والضغوط، بين انتظار امل وإخفاق مشروع. تتكرر هذه الاحوال كل فترة انتخابات رئاسية امريكية. صراعات الحزبين المتحكمين في الادارات الامريكية، الجمهوري والديمقراطي، وسياساتها الاستراتيجية، المحلية والعالمية، وما بينهما من تناقضات وتصادمات وتداعيات على الاوضاع الداخلية والدولية ايضا تكشف صورة ما لما يجري داخل الولايات المتحدة وانعكاساتها عالميا. رُشح ميت رومني من الحزب الجمهوري لها، واستمر الرئيس الحالي باراك اوباما مرشح حزبه الديمقراطي. ولم يترشح اخر من خارج الحزبين المتحكمين في النظام الديمقراطي الامريكي. فعاليات تحضيرية وبرامج وخطابات وحملات رئاسية تصرف فيها ما يقابلها من الاموال والجهود والصفقات، وتلعب اللوبيات دورها في التأثير على الرأي العام وعلى مسار الانتخابات ونتائجها، وهي كلها تشكل سمات متميزة في النظام السياسي الامريكي. كما تكثر الاستطلاعات الامريكية خلال هذه الفترة قبل الانتخابات. واغلبها اعلن تفوق اوباما على نظيره رومني، وتتفاوت النسب بين اثنين وخمسين بالمائة الى ستة وأربعين بالمائة.  كما حقق أوباما تقدماً في حجم تبرعات الحملة الانتخابية، بلغت في آب/ أغسطس الماضي 114 مليون دولار، بينما لمنافسه 111 مليون دولار. وقد تكون هذه العينة مثالا للنتائج المتوقعة، ولكنها بديهيا ليست حتمية.
في كل الاحوال تكون الخلافات بين سياسات المرشحين والحزبين واضحة ومتصادمة في فترة حملات الانتخابات على جميع الاصعدة، الداخلية والخارجية. وقد تكون في الشؤون الخارجية اقرب منها عن الداخلية في برامج الحزبين واستراتيجياتهما المعلنة. وحسب صحيفة "لوموند" الفرنسية التي تناولت في عددها الصادر في 10/9/2012، تاريخ الإعلانات المضادة في انتخابات الرئاسة الأمريكية منذ بدايتها وحتى الحملات الإعلانية الحالية بين المرشحين المعلنين، اوباما ورومني. فكانت البداية  عام 1952 في انتخابات الرئاسة بين كل من المرشح الجمهوري - بطل الحرب العالمية الثانية - دوايت ايزنهاور والديمقراطي ادليه ستيفنسون، وكان الإعلان الكرتوني يهاجم ايزنهاور عن طريق إظهاره واقفا على مسرح وبرأسين ويرد على تساؤلات الجمهور بشكل متناقض، مثل تصريحاته حول القضايا الدولية المتمثلة في الحرب الكورية، ومساعدة أوروبا ودعم الأمم المتحدة، وينتهي الإعلان بجملة "اثنين من الوعود بسعر واحد"، ورغم ذلك لم يتمكن ستيفنسون من التغلب على منافسه. وأضافت الصحيفة أن الإعلانات المضادة تطورت بمرور الوقت وأصبحت أكثر تكلفة، وباتت علامة في تاريخ انتخابات الرئاسة الأمريكية الحديثة وحُفرت في الذاكرة الجماعية. كما عكس تطور تكنولوجيا الاتصال، طبيعة كل إعلان، وصف بطريقته الخاصة عصره بمخاوفه وآماله. وعن الانتخابات الحالية، سجلت الصحيفة أن المال يلعب دورا مهما جدا فيها منذ قرار المحكمة العليا عام 2010 بالسماح للشركات بتمويل الحملات الانتخابية بدون حدود وبشكل معتم، وكانت النتيجة أن أصبح الاستثمار المالي في حملات المرشحين والدعاية السياسية أقوى من أي وقت مضى.
تتميز هذه الفترة خصوصا بمراجعات وسائل الاعلام للسنوات السابقة ومتابعة ما قدمه الرئيس الامريكي وما نتج عن سياساته وتأثيراتها على الاوضاع الداخلية والخارجية، وكذلك التذكير بما قامت به الادارة السابقة والمحاججة بها مع المرشح الاخر للرئاسة، كممثل للحزب الاخر المتنافس مع الرئيس الحالي. وتكاد اغلب تلك المصادر تجمع على الكوابيس التي حملتها السياسات الخارجية السابقة، وتضعها امام الناخبين والرأي العام ايضا. حيث ما زالت تلك الكوابيس قائمة منذ احتلال افغانستان وفضائح سجون باغرام وغوانتانامو والطائرة او التي سميت بالنقاط السوداء في تاريخ البنتاغون والإدارات الامريكية. واعقبها احتلال العراق وفضائح سجن ابو غريب وما تلاها من فظائع اخرى. وما تكبده الاقتصاد الامريكي من كلف جسيمة وكذلك ما تبعها من خسائر بشرية. وبعد كل هذه الكوارث واصلت الادارة الامريكية تلك السياسات العدوانية في اكثر من منطقة، وتتكثف خطط العدوان في العالمين العربي والاسلامي. رغم ان بعض حكوماتهما تقدم للإدارات الامريكية اكثر من نصف ميزانيتها السنوية دعما ماليا، اضافة للدعم اللوجستي وحتى البشري في احيان كثيرة.
رغم كل ذلك تميزت هذه الانتخابات وحسب استطلاعات الرأي بفقدان ثقة العالم بالسياسات الامريكية وخططها التي زادتها الوعود والتصريحات الانتخابية للمرشحين على حساب المصالح الوطنية والقومية، خصوصا للعالمين العربي والإسلامي. فحسب نتائج استطلاع للرأي نشرته صحيفة الغارديان البريطانية (12/9/2012) اشارت إلى أن انخفاض التأثير الأمريكي على الساحة الدولية يعود إلى ضعف الثقة في النوايا والدوافع التي تحرك الولايات المتحدة نحو القضايا الدولية. وبينت الصحيفة إن المثير في هذا الاستطلاع هو أن هذه المشاعر السلبية تجاه أمريكا لم تعد تقتصر على منطقة "الشرق الاوسط" ومنطقة جنوب آسيا بل اتسعت لتشمل أوروبا. فمثلا في باكستان بلغت نسبة عدم الثقة في الولايات المتحدة 78%. أما في المنطقة العربية والتي ترتفع بها المشاعر ضد أمريكا، بسبب احتلال العراق والدعم المستمر للكيان الاسرائيلي، فقد قال 39% فقط من المشاركين في الاستطلاع إنهم لا يملكون ذرة ثقة بها.(!). وأما في بريطانيا التي كانت دوما حليفة للولايات المتحدة فقد قال 40% من المشاركين أن الكلمة التي ترتبط دائما في اذهانهم عندما تذكر الولايات المتحدة هي "البلطجة"!.
لا تقلل نتائج الانتخابات من فقدان الثقة العالمية في السياسات الامريكية. او تعوض الضرر الذي الحقته تلك السياسات في المصالح الوطنية والقومية للشعوب، والاخطار على مستقبل الاجيال والثروات والمصائر ايضا. شعوب العالم عانت مما يطرحه المرشحون في حملات انتخابية من وعود وشعارات لفظية انتجت في كثير من الاحيان كوارث حقيقية على السلم والأمن الدوليين وأبرزت بوضوح عدوانية الادارات الامريكية ومشاريعها الحربية وممارساتها الوحشية وانتهاكاتها الصارخة للحقوق والقانون الدولي الانساني والاتفاقيات والمواثيق العالمية وازدواجية معاييرها.