الأربعاء، 1 أغسطس 2012

احتجاجات الاسبان بعد عمال اليونان

كل يوم مفاجأة في اوروبا على صعيد ازماتها المتنوعة ومصير اتحادها وعملته المشتركة. كلها تعيش تحديات كبيرة بسبب السياسات الاقتصادية التي لم تأت كما خطط الرواد للاتحاد الاوربي ولم تحفظ دولها الرئيسية نفسها من هذه الازمات التي تتعدد عواملها ومنها طبعا عداء حلفائها في الجانب الاخر من الاطلسي ومناوراتهم مع اعضاء من الاتحاد، يأتمرون رغم استقلالهم الظاهري، وهم اعضاء فاعلون في زعزعة هذا المشروع ونجاحه في الاستمرار بقدراته وبالتالي اخذ دوره في السياسة العالمية. تصاحب ذلك الارباكات السياسية والارتكابات القانونية والتبعية المطلقة لسياسات الامبراطورية الامريكية ومشاريعها العدوانية وحروبها في العالم وتحميلها تبعيتها وكلفها المادية والبشرية، لبعض اعضاء الاتحاد، مما يجعلها احيانا تدفع هي لوحدها حصة اكبر في الخسائر الاقتصادية والمالية عن تلك السياسات الرعناء دون أي مردود كانت قد وعدت به وانتظرته شركاتها وقوتها العاملة.  الامر الذي يفاقم في الازمات السياسية والاقتصادية وانعكاساتها الثقافية والأخلاقية والإنسانية، داخل الاتحاد الاوروبي وخارجه.
بعد اشتداد الازمات داخل اعضاء الاتحاد في جنوب اوروبا اولا تصاعدت الازمات داخل كل بلد وانتشرت بشكل صارخ ارهق كاهل الطبقات الشعبية والعمالية وحتى الوسطى في المجتمعات الاوروبية وبرزت بجلاء سياسات الرأسمالية الجديدة في تفاقم التفاوت الطبقي والاجتماعي داخليا مما ادى الى تناقض السياسات الاقتصادية والسياسية وتصارع الارادات السياسية بين القوى الشعبية والعمالية وقوى الاستغلال الرأسمالي وشبكات المصالح المالية والاقتصادية الغربية عموما. ففي الوقت الذي تعاني منه بعض البلدان اقتصاديا أظهرت دراسة نشرتها منظمة "شبكة العدالة الضريبية" (مقرها بريطانيا)، أن كبار أثرياء العالم وضعوا على الأقل 21 تريليون دولار (17 تريليون يورو) في حسابات مصرفية بالبنوك الدولية في الملاذات الضريبية الآمنة لتفادي تسديد الضرائب. وذكرت إن التمييز الضريبي أسوأ مما يعتقد، كما بينت الدراسة أن الأموال الهاربة عن سلطات الضرائب في العالم تصل إلى 32 تريليون دولار. وأكدت الدراسة إن الحسابات المصرفية في الملاذات الضريبية تؤدي إلى ضياع ضرائب تصل إلى 280 مليار دولار وهو ما وصفه رئيس فريق الدراسة بأنه "ثقب أسود كبير في اقتصاد العالم". مؤكدا انها ضخمة للغاية "وهي كبيرة بما يكفي لإحداث فارق في الاوضاع المالية لكثير من الدول"!.
وأشارت الدراسة إلى أن هذه التقديرات لم تأخذ حساب الأصول العقارية واليخوت وغيرها من الأصول ضمن تقديرات ثروات الأثرياء المسجلة في الملاذات الضريبية. (وكالات 25/7/2012).
من جهة اخرى تحاول بعض وسائل الاعلام رد اسباب الازمات الى مشاريع انقاد الاتحاد الاوروبي والبحث عبر لجان الازمة عن حلول مشتركة. فاعتبرت صحيفة «فرانكفورتر الغمايني تسايتونغ» (يمين وسط) أن إعلان  مؤشر "موديز" للتصنيف الائتماني، "يأتي في الوقت المناسب"، لتذكير ألمانيا "بأنها حكمت مسبقاً على قدراتها من خلال تقديم المزيد من المساعدة إلى دول الجنوب". بينما رأى زعيم حزب العمال البريطاني اد ميليباند عقب لقائه الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في باريس "نحن الاثنان نشعر بالقلق إزاء الوضع في منطقة اليورو، ونتفق على أننا لا نستطيع حل المشاكل قبل عودة النمو في أوروبا"، مضيفاً "من المهم جداً أن تعمل الدول أيضاً بين القمم المختلفة. لا يمكننا الاكتفاء بانتظار القمة الأوروبية المقبلة لأن هناك ضرورة ملحة في معالجة هذه القضايا". (أ ف ب، رويترز 25/7/ 2012).
دول جنوب الاتحاد الاوروبي رغم جميع المساعدات لا تزال مهددة بالإفلاس. كما هو الحال في اليونان وأسبانيا. وفي ضوء تزايد فوائد الديون المستحقة عليهما، اصيبت أسواق المال العالمية بانهيارات هائلة. وتدنت قيمة اليورو مقابل الدولار، بشكل غير مسبوق منذ عامين. ولا تزال التقديرات تنوء بتهديدات وهزات كبيرة في اوضاعهما الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ولعل سقوط الحكومات واستبدالها باخرى في فترات قصيرة يؤشر على ان احوال هذه البلدان، لاسيما اليونان نموذجا، ليست على ما يرام. خصوصا في زيادة الاعباء المالية وحالات العمل والإنتاج وسوقهما فيها الى زمن ليس قصيرا بكل تاكيد. اذ ان تعافي الاوضاع هذه يحتاج الى فترة من اعادة فعالية النمو والتنمية المستدامة على جميع الصعد.
الدول الاوروبية الاعضاء التي تقود عملية الاصلاح والمساعدة على التغلب على الاوضاع محصورة في المانيا وفرنسا اساسا، وهي الدائنة مع البنك المركزي الاوروبي لليونان واسبانيا لم تعد مستعدة للتقدم بوعود مالية أكثر من الوعود الحالية، وقد تعاني هي الاخرى من تأثيرات او ارتدادات تضعف قدراتها. ويمكن لألمانيا خاصة أن تحفز البنك المركزي الأوروبي بحيث يكون أكثر إقداما فى دعم أنظمة البنوك المترنحة وتعزيز نمو الاقتصاد، حتى وإن أدى هذا إلى زيادة التضخم فى ألمانيا إلى حد ما.
فيما يرى اقتصاديون ان تلك مهمة صعبة ينبغى دعمها بموارد ائتمانية كبيرة ومستقرة مثل صندوق للإنقاذ يسمح للبلدان المتعثرة بالاقتراض بفوائد منخفضة وإدخال التعديلات اللازمة على سياساتها. وحتى الآن فإن رد الفعل الأوروبى عبارة عن سلسلة من الحلول المؤقتة، كما هو حاصل في  القروض لليونان واسبانيا. ولم يجدوا في المانيا ما يكفي لتغطية الازمات المتصاعدة نتيجة تلك السياسات التي ادت الى تلك الاوضاع، ويتساءلون في حالة تعرض فرنسا ايضا الى مصاعب اقتصادية، ماذا سيحل في المانيا والاتحاد الاوربي؟. هذا ما ينذر بمصاعب حقيقية قد تهدد السياسات العالمية وأوروبا اساسا. حيث ان امكانيات المانيا وفرنسا غير كافية مقابل ما تملكه الولايات المتحدة والصين مثلا من احتياط كبير يمكنها ان تساعد في هذا الشأن، ولكنها مستحيلة سياسيا!.
سياسات التقشف التي خططت لها تلك الدول، نموذجها اليونان وتلتها اسبانيا وستأتي بعدها بالتسلسل دول اخرى، كبدت الطبقات الشعبية والعمالية كلف تلك الازمات ولهذا لم تجد امامها حلا غير الاحتجاجات الواسعة ومواجهة تلك السياسات بمطالب انقاذ اكثر انسانية وعدالة وإمكانات بناء مستقبل افضل.