الأربعاء، 30 مايو 2012

ضحايا العرب

مات عبد الباسط المقراحي، المواطن الليبي المتهم بإسقاط طائرة مدنية ومقتل ركابها في لوكربي قبل اكثر من عقدين من السنوات، في بيته بهدوء طبيعي اثر اصابته بمرض السرطان. وكان قد اطلق سراحه بكفالة وتعويضات دفعها النظام السابق. ومهما كانت قصته فقد انتهت مع وفاته الآن ولكن اسباب وتفاصيل القصة لم تنته بعد. لاسيما وان سنوات سجنه في اسكتلندا حفلت بالصفقات والمساومات السرية والعلنية بين اركان الحكومات التي اتهمته ووضعته في السجن والمحاكمة وسمحت لشركات النفط وسماسرتها في المساومة والمتاجرة بأرواح الضحايا والقوانين والعلاقات الدولية والمبادئ الانسانية والأخلاقية.
وسائل الاعلام الغربية والمترجمة الى اللغة العربية، وما اكثر الخدمات التي تقدمها وسائلها، تواصل الحديث عن الضحايا التي فقدت في الطائرة وأهاليهم. وهي قضية انسانية بلا شك، ولابد من استمرار ادانة الجرائم كلها. ولكن السؤال الان بعد وفاة المتهم الاول او هذه القصة بمجملها اين مصير الضحايا العرب في كل الحالات التي شابهت قصة الطائرة او قامت بها حكومات الغرب، والتي سجلت المنظمات الدولية التي تدافع باسمها عن حقوق الانسان، عنها الكثير. وليس اخرها ما اصدرته المنظمات، التي مقراتها واشنطن او لندن، واتهامها للحكومات الغربية بجرائم ترقى لجرائم حرب ويجب ان تتحمل مسؤوليتها فيها والاعتذار لضحاياها العرب خصوصا وتعويضهم عما لحق بهم او لاهليهم.
يطول الحديث عن ضحايا انتهاك حقوق الانسان وغيره في العالم العربي، والحكومات التي ترتكبها او تغض النظر عنها وتزود المرتكبين لها بالأجهزة والأسلحة المحرمة فيها. ولعل تقارير المنظمات الدولية تلقي بعض الاضواء على ما جرى ويجري ويسكت عنه. وعن قصة المقراحي وبلده وما حدث فيه فان تلك التقارير مازالت تشير الى الانتهاكات التي تستصرخ كل ضمير حي. خاصة جرائم قوات الناتو وضحاياها الليبيين الذين يتستر عليها ويستهان بأعدادها دون اية مشاعر انسانية او مشابهة لضحايا طائرة لوكربي. وكأن ضحايا العرب خصوصا ليس لها اهالي وأناس مرتبطون بهم وليست لهم صلات انسانية ويهمهم مصائرها، اذا لم يكن مرتبطين بها بشكل متساو مع اهالي لوكربي ايضا. رغم ان المنظمات الدولية انتقائية في الكثير من تقاريرها ومع ذلك فحتى في الاشارات فيها الكثير من الحقائق الفاضحة والتي لم تستطع، لا تلك المنظمات ولا من ورائها من الصمت عليها. فمنظمة هيومان رايتس ووتش (مقرها واشنطن) اصدرت تقريرا عن مقتل 72 مدنيا ليبيا، ثلثهم من الاطفال، في ثمان غارات بالقنابل للناتو على ما قال إنه اهداف عسكرية، وأدانت المنظمة رفض الناتو الاعتراف بمقتل المدنيين. (كيف احصت العدد وسكتت عن الاعداد الاخرى التي يمكنها بوسائلها وصلاتها الجديدة ان تصل اليها وتذكرها وتكون سباقة فيها؟!.)
من طريف التعليقات على تقرير المنظمة ما كتبه الصحافي شيمس ميلن في صحيفة الغارديان البريطانية (16/5/2012 ) إنه ربما لا يأبه الناتو بهذا العدد القليل من المدنيين، مقارنة بالأعداد الهائلة من المدنيين التي قتلتها قوات الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرها من دول الناتو في هجمات جوية على العراق وأفغانستان وباكستان واليمن خلال العقد الماضي .ورأى ميلن "أن قوات الناتو قامت بعكس ما فوضتها به الامم المتحدة، والذي كان من المفترض ان يتمثل في حماية المدنيين، حيث القى الناتو بكل ثقله خلف طرف واحد في الحرب الاهلية في ليبيا، حين اصبحت قوات الناتو القوات الجوية للميليشيات المسلحة المناهضة للقذافي". وأضاف ميلن إنه بينما كان عدد القتلى من المدنيين في ليبيا قبل تدخل الناتو يتراوح بين الف وألفي شخص، فإن المجلس الانتقالي قدر عدد القتلى من آذار/ مارس إلى تشرين أول/ أكتوبر أي بعد تدخل الناتو، بنحو ثلاثين ألف شخص، من بينهم آلاف المدنيين. وانه علاوة على الغطاء الجوي للناتو، كانت هناك قوات تابعة له على الارض مثل القوات البريطانية الخاصة، ولهذا من الممكن ان تكون القوات الغربية مسؤولة عن قتل المزيد من المدنيين. وختم ميلن مقاله إن احتمال مساءلة او محاسبة قوات الناتو عن الدماء المراقة في ليبيا ضعيف، كما هو حال احتمال محاسبته على الجرائم في العراق او أفغانستان وهذا يؤكد ان ما يسمى بالقانون الدولي لا ينطبق على القوى الكبرى أو زعمائها!.
ذكرت وسائل اعلام، أن ديفيد ميبهام، مدير شؤون بريطانيا في منظمة "هيومان رايتس ووتش" قدم شهادة أمام لجنة خاصة بمجلس العموم البريطاني حول تقرير المنظمة لحقوق الإنسان والديمقراطية لعام 2011 اعرب "عن خيبة أمل المنظمة الحقوقية إزاء عدم ممارسة بريطانيا ضغوطًا قوية من أجل تعيين مراقبين مستقلين لمراقبة الانتهاكات التي تحدث في ليبيا، وخاصة التطورات الأخيرة التي تهدد بالسجن أي شخص يتحدث ضد المؤسسات الليبية، وأيضا العفو عن قوات ليبية كانت مناوئة للقذافي، ارتكبت جرائم حرب". وكان قد صرح أنه "في ضوء الدور الرئيسي الذي قامت به بريطانيا في ليبيا على مدى السنة الماضية، أمامنا مسؤولية أخلاقية في التشجيع على المزيد من الاحترام لحقوق الإنسان، ويساورنا قلق بالغ إزاء وضعها هناك".
مات عبد الباسط المقراحي مرتاحا كما نشرت صحيفة بريطانية ( التايمز 12/5/2012) تابعت قضيته من اولها ونقلت عنه قبل وفاته ما يؤكد براءته في قوله: انه يدرك الاسباب وراء شعور الكثير من اقارب ضحايا لوكربي بالغضب نتيجة اطلاق سراحه، لكنه دعاهم الى تفهم حالته."هم يعتقدون انني مذنب، ولكنني في الحقيقة لست كذلك. وسيأتي يوم لا تكون فيه الحقيقة مخفية مثلما هي الان".  وتجنب الاجابة عن سؤال عمن هو المسؤول عن تفجير لوكربي، وقال "انه سؤال جيد، ولكنني لست الشخص الذي يصح توجيه هذا السؤال اليه". وبعد كل ذلك يبقى السؤال: ماذا عن ضحايا العرب؟.