الخميس، 25 ديسمبر 2025

تشويه متعمد يكشف من وراءه

 للأسف

تدخل تشويه النص من جهة تدير blog

 لا تحترم حقوق النشر وحرية التعبير كما تلاحظون في النص الأول التالي 

الجمعة، 19 ديسمبر 2025

قراءة في - حتى مصرع الفجر…سيرة سجين سياسي-

 حتى مصرع الفجر، عنوان لافت للانتباه، فتغير المفردة المعروفة فيه او يوحي بمعناه الجديد، يريد له، ويثير للقراءة اخر محتوى او معنى لسبب ملفت. ولاسيما السطر الاخر بعده الذي قد يتنازل عن ما وراءه، فالعنوان هذا لكتاب عن سيرة سجين عسكري. من تاليف خضر عبد الرحيم، ومنشورات دار سطور، بغداد، 2025، وبصورة مباشرة ومفردات مغموسة بمعاناة السجين وحكاية تجربة قد عاشها مناضلون كثر، ولكن لا تزال لكلم ودلالاته وتسجيل كل ما حصل وأجرى يضيء ما عتم ويحفز تعلم او اطلاع ليس عابرا بكل الاحوال والايهوال. لاحظنا بما في ذلك كتبه الروائي العربي المعروف عبد الرحمن منيف في رواياته التي تحتوي على اسم حيث مكررا او باضافات له، شرقي، وتت الاحداث او لخصت للضوء التي عاشتها البطل ورفاقه، حيث لان فار او كريغ دليلا لحكم الحكم/ السلطة وصراع الحاكم والمحكوم في المنطقة من العالم او في ما شابهها من سيرة وتجارب وقسوة ودمار ومكابدة وآلام وجراحات وجراحات او ردود الازمة العامة الخانقة في تلك الأيام في تاريخ الكوارث الوطنية صورها المؤلمة، عبر تلك السجون، والعثور على التحقيقات، وتوصلها إلى تنوع عتباتها الروائية وسردها الفني.

المهم في الكتاب، كما هو من سبقوه من كتب عنها، هو تجربة مناضل عسكري (شيوعي) في العراق في زمن ارتداد دموي وممارسات فاشية، قد ينفرد في وصفها او يضعها كما عاشها امام القراء والتاريخ، كي لا تنسى او تمارس كغيرها دون تاثير واعتبار. اذ لم يحصل ما حصل داخل السجون منفردا هو ما يبين التجارب والصراعات والاختلافات السياسية فقط، وانما ما يحيط بها او يمهد لها او يثبت وإثباتا. وهو ما اراد الكاتب ان يشرحه او يسرده بالسماء والوقائع والأحداث، بدايات ونهايات العذاب العراقي. ولان الكتاب، يسرد قصصي تجربة سياسية بكل تفاصيلها، وسيرتها الواقعية بما فيها كاملة من قصوة وهدم لحياة إنسانية وكيان بشري، فان استذكارها وتسجيلها شهادة واثبات وبيان ليس للكاتب وحده وانما لكل من يعتقد وعاشها ولاجيال التي لم تسمع بها او بامثالها.

سجل المؤلف خضر عبد الرحيم، ناه في اربعة عشر فصلا او قسما، جمع في كتاب دفتي سلس من مائتي صفحة من القاطع الشعبي، وبلغت وضوحا استرجاعية لما حصل عليه ولرفاقه في تلك الفترة المتناقضة في مهمات النضال والحرية للحركة الوطنية الليبرالية، البرازيلية. كاشفا بين سطور غفلة سياسية وتراجع بلا لاول مرة، لمخاطر غير متوقعة او محددة، من جهة ما، وانظم ثبات لغدر موجع ووحشي مبرمجة وارتهاانات سوداء، طغت على تلك الفترة المهمة والايام التي تخطط فيها، من جهة أخرى.

حاول الكاتب ان ينقل سيرته كسجين بريطاني منذ انتقاله للمكان، السجن؛ وشرح الاساليب التي تبعتها السجان ومعه غيره من السجون. كيف وصل الى السجن ولماذا ومن كان شاهدا وناقلا معه وجع او ساعات الايام التي عاشها في مكان وزمان لم يحصل اي انسان وبالتاكيد لا يحكمه حتى في التمثيل التايواني او السينمائي. وصف لما هو عليه في السجن، أول مرة مرت في تلك المحنة، ويسمع من غيره، تجربة بالفعل للمكان تفاصيل العيش والصمود والصبر في شهادات غير اعتياديه وليس في الحسبان.

"في الصباح ، يستيقظ الجميع على زعيق وحماقات الحرس، وقرقعة الاقفال، وصرير السقاطات الحديدية والتي تثير القرف في النفوس، فضلا عن صوت وقع كعوب الاحذية، والبساطيل العسكرية" (ص12). وينتقل الى وصف غرف التحقيق، "اشبه ما تكون بمسلخ بشري، تنتهك بداخلها كرامة الانسان بوحشية مفرطة، ينفث الجلادون سمومهم، ومركبات نقصهم في الابدان المعلقة الى خطاف، والمتدلية من السقف كما الذبيحة المعدة للسلخ، تتحول الظهور والاكتاف مرمدة لاعقاب سكائرهم…"(ص12). ويحاول الجمع بين اجراءات الجلاد وردود فعل الضحية، فلا يتوقف عن سرد يوميات السجن، ما يحصل له فيه وما يتعلمه من عادات وتصرفات وسلوك السجناء السياسيين، وما يعتريه من مشاعر واحاسيس وذكريات، سبقت وجرت امامه.

يرصد الكاتب صور العذاب اليومي، كما نشر رفاق له من بلدان عربية اخرى، كالكاتب طاهر عبد الحكيم في كتابه، الاقدام العارية، او الروائي الراحل صنع الله ابراهيم، في عدد من رواياته، التي شكلت مع غيرها ما اطلق عليه، بادب السجون، وكانت ابداعات المناضلين ذاكرة باقية وسجلا موثقا عن تلك الايام وتلك السلطات، وتلك الشهادات الباقية، في الكتب والافلام وغيرها من وسائل الاعلام والتواصل. فيستغرب من اجراءات الاذلال والاهانة، التعرية الكاملة من الملابس، ويتفرج المحقق/ الجلاد "بنشوة المنتصر القابض على مصيرك، والمنتشي باذلالك، لم يكن الغرض من وراء هذا الاجراء ، الا اشعارنا بالمهانة، والمذلة ، واشباع مركب النقص الذي يسيطر على نفوس اغلب منتسبي هذا الجهاز، واي اوامر غريبة هذه التي صدرت لنا من رجال الاستخبارات؟!(ص 34). وبين وصف العذابات وشرح الاجراءات القاسية يثبت صورة السجن والسجان العراقي، وكيف يعيش السجين او يتعرض له، " تعرض الشاب لابشع انواع التعذيب، فقد مورست بحقه كل انواع التنكيل والتعذيب لاستحصال اعتراف يقوده لحبل المشنقة، قلعوا اظافره واحرقوا قدميه ب(التيزاب)، اقعدوه مرات على قنينة (البيبسي كولا) التي احدثت تمزقا وضررا كبيرا في الشرج ظل يعاني منه لاشهر، ومازال يعاني من الالام كلما ذهب الى الحمام"(ص89).

وبعد سرد روايته عن السجن والتحقيقات والتعذيب وسلوك السجانين واختلاف الممارسات حسب المعتقل ومكانه، في الشعبة الخامسة او سجن مديرية الامن العامة في بغداد وفرعها في الموصل، وغيرها، ينتقل الى قضية حساسة وخطيرة، ربما لم تنشر او تذكر فيما نشر في " ادب السجون في العراق"، قضية الاختراق الامني والاندساس من طرف الحاكم/ العدو بعد سقوط تحالفه وتصاعد توحشه الفاشي علنا للتنظيم الحزبي، الشيوعي، الحليف السياسي الجبهوي، وخيانة الضمير والانسانية لعضو الحزب وانهياره الاخلاقي وتسليم مصائر رفاقه لمثل كل ما كتب في الكتاب، وربما كتب مثله في كتب اخرى. ولكن بدءا من الفصل او القسم العاشر يوثق المؤلف/ الضحية، التوحش الناعم الذي يوصل الى التوحش الخشن، وفصول الانتهاكات والتعذيب والاهانات والاساءات وما لم يستطع تحمله من صور المعاناة وانكشاف السر والخداع. والاصرار على مبدأية الالتزام التنظيمي والايمان المطلق بالحزب وكوادره واعضائه وفي تلك الظروف الصعبة والقسوة والقهر الذي يواجهه اعضاء الحزب ومنظماته، "الرفيق المشرف (عباس حسون) ابو سلام محل ثقة الجميع، لما يتمتع به من تاريخ نضالي حافل بالتضحية ونكران الذات، ومن غير المسموح اثارة الشكوك حول رفاق بمستوى الرفيق (عباس حسون) في هكذا ظرف حرج يمر به الحزب ، فضلا عن ارتباطه برفيقة مهمة في هيكيلية التنظيم، رفيقة فوق مستوى الشكوك والشبهات، ومن غير المسموح المساس بالصورة الناصعة التي رسمها الحزب لها في اخيلة وضمائر الرفاق، لا سيما وانها ابنة احد شهداء الحزب، وزوجة سابقة لاحد الشهداء الخالدين، تلك هي الرفيقة (نادية سعد) ابنة الحزب كما يحلو للبعض ان يطلق عليها هذا الوصف المبهر، فقد تربت في كنف الحزب الذي اشرف على رعايتها وتربيتها، اكراما لذكرى والدها الشهيد الذي تمت تصفيته على يد نظام حزب البعث، ومدير امنه المجرم (ناظم كزار) في بداية السبعينات حين القي القبض عليه بمعية مجموعة من قيادة تنظيم بغداد، وتمت تصفيتهم في احواض (التيزاب) " (ص ص 121-122).

في تلك الظروف أُكتشف ان عباس ونادية متعاونان مع امن النظام ووضعا مصائر عشرات الرفاق بيد اجهزة الامن ونهايات احكام النظام، بعد التعذيب وممارساته الوحشية، بالاعدام شنقا او بالتيزاب. وتمكنت منظمة حزبية من اصدار حكم تصفية عباس جسديا وفضح اخرين من امثاله، والابرز منهم، " احد المكلفين من قبل الحزب بادارة وقيادة تنظيمات الداخل، ومنحه صلاحية كاملة في اعادة تشكيل وهيكلة الخلايا الحزبية المخترقة، فقد قام هذا العنصر بتسريب معلومات تفصيلية عن التنظيم، كشف من خلالها خطوطا تنظيمية كاملة، واخبر اجهزة الامن عن اماكن تواجد الرفاق، والاوكار السرية التي يتخفى الرفاق المطاردون، فكان من اسوأ واقذر العناصر الذين كلفهم الحزب باداء هذه المهمة النبيلة " (ص 128). ورغم ذلك لم يتوقف العمل التنظيمي والالتزامات المطلوبة في مدرسة الشيوعيين العراقيين، الا ان مفاجاة الرفاق، واستغرابهم، وهم الذين يتحدث الكاتب عنهم، عند اعتقالهم، معرفة ان التعليمات التي كانت تصلهم كانت من رجال الامن، وليس من قيادة الحزب، كما كان يقال لهم، "حتى انهم ذهلوا واصابهم الارتباك والرعب من وفرة المعلومات التي بحوزة رجال الامن: اسماؤهم الصريحة والحركية، اماكن تواجدهم والاوكار التي كانوا بها يختبئون، طلبات الالتحاق بفصائل الانصار التي كانوا يحررونها، كل ذلك كان معلوما لدى رجال وضباط الامن بشكل تفصيلي "(ص161). ويواصل الكاتب سرد ما حصل للرفاق من اعتقالات وتحقيقات، وبالاسماء الصريحة، التي يتوجب التوثيق لهم ومن بقي حيا منهم للتاريخ والاجيال، ويعطي للكتاب اهميته ويضعه في سلسلة ادب السجون، من اهدائه في الصفحة الاولى، "الى قناديل الحرية في ليل الدكتاتورية الحالك، شهداء العراق…" والى صفحته الاخيرة، صور بعض الشهداء باسمائهم الصريحة، حتى مطلع فجر جديد.


الثلاثاء، 16 ديسمبر 2025

المشهد العراقي: تكريس سياسة الاحتلال

انتهت مشاغل وتحضيرات وإعدادات ما يتعلّق بفترة الانتخابات البرلمانية التي أنجزت في 2025/11/11 وجاءت فترة الالتزامات بالمدد الدستورية لتكليف رؤساء السلطات، الرئاسة والتنفيذية والتشريعية. ومثلما مرّت العملية الانتخابية بسلاسة ومديح الجهات التي يعنيها ذلك، من سفراء وممثلي منظمات دولية وحكومات الجغرافية السياسية المحيطة بالعراق، ينبغي أن تتم العملية السياسية بتوافق ممثلي كتل المحاصصات الطائفية والإثنية المتفق عليها بين الفائزين منهم ونسب أعدادها الموضوعة دستورياً وهذه كلها تأتي بعد فترة تجاوزت عقدين زمنياً من سياسة الاحتلال الأميركي والمتخادمين معه، وهي في النهاية تكريس لهذه السياسة في توصيف العراق وتقسيمه أو تخطيط تفتيته ووضعه مشهداً سياسياً قائماً ومناسباً لمخططات لم تنتهِ ولم تغطَّ بغربال. لتثبت تناقضات السياسة الاستعمارية وادعاءاتها في التحوّل الديموقراطي وشعارات الديموقراطية التي رفعتها تبريراً لسياساتها العدوانية فعلياً، ونموذج العراق في المنطقة مرسوم تحت إدارة قوات احتلال عسكري وموظفي أجهزة أمنية وتجسسية في أكبر سفارة، وزادتها أخيراً بأكبر قنصلية في المنطقة والعالم.

 

عملياً، بعد أن تُعلن النتائج النهائية وتُقرّ من مفوضية الانتخابات والمحكمة العليا، تبرز صورة التحالفات التي ستعلن عن نفسها وتواصل بكل ما تقوم به تكريسَ سياسات الاحتلال الأميركي وحلفائه في تفتيت الشعب وتقسيم المجتمع بالتسميات والخطط التي وضعت هدفاً ومشروعاً سياسياً وأمنياً استراتيجياً في الهيمنة الاستعمارية للمنطقة.الانطباع العام عن القوى السياسية التي شاركت في الانتخابات أنها تمثّل القوى الحاكمة أو المشاركة في العملية السياسية منذ ترتيبها من دول الاحتلال والمتخادمين معه، والتي توزع أغلبها في تحالفات سياسية معبرة عن اتجاهاتها الطائفية والإثنية، أو ما أطلق عليه اسم «البيت الشيعي» أو «البيت السني»، وغيرها، تعبيراً أو عنواناً للطائفية السياسية والإسلاموية العقيدية.

 

أولى الفعاليات، اجتماع ممثلي تيار الإسلام السياسي الشيعي، وعنوانه الإعلامي «الإطار التنسيقي»، حيث أعلنوا أنهم الكتلة الأكبر في مجلس النواب الجديد، ومهمتها تسمية رئيس وزراء حسب العرف الذي انتظم منذ تكليف الاحتلال للقوى السياسية التي ارتضت ذلك وعملت عليه. ومعلوم أن جذر أغلب أطراف الإطار التنسيقي سياسياً هو «حزب الدعوة الإسلامية»، وتمت الانشطارات فيه بعد وصولها للحكم، لأسباب لا تمت للتطوير وتجديد البرامج والمناهج بأي صلة، ونشطت بمسميات تشي بمعانيها وامتداداتها وصلاتها القيادية أو الانتساب الإسلاموي.وعدد النواب والناخبين لكل الأطراف يوضح حجم كل منهم ودوره في تسمية وتقرير اسم رئيس الحكومة القادم، وبرنامجه الوزاري ومواصفاته. تواصل سلطة «الإطار» في التحكّم وتوزيع الأدوار والاتفاقيات المصاحبة لاستكمال المناصب الأخرى، وهو ما لا يتفق مع واقع الحال لتركيب المكون الشيعي، ومثاله غياب «التيار الصدري»، وكذلك وقوف المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف بعيداً عن الاستشارة والمشاركة في الاختيار والتنفيذ، فضلاً عن إصراره على التمثيل السياسي للمكون دون ممارسة تشاركية أو توافق داخلي بين أطرافه من جهة، وتنسيق فعلي معبر عن توجهات أطرافه أو تركيبتها الفكرية والاجتماعية وبرامجها المعروفة عنها، من جهة أخرى.أثبت كل تشكيل لكل مكون انفراده بالعنوان التمثيلي غير المتطابق مع واقع الحال وحقيقة التكون والاتجاهات الفكرية والسياسية وانشداده للعنوان الأبرز فيه.يشابه «الإطار التنسيقي»، وما يعتمل داخله، عند المكون الكردي، حيث أعلن عنه باسم «التحالف الكردستاني»، وقواه الرئيسية وصراعاتها المعيقة في أكثر الأحيان للتوافق الرسمي العلني لإدارة الإقليم وحكومته وبرلمانه، وتأكيده «استحقاق» منصب رئاسة الجمهورية ووزارات سيادية، ومناصب أخرى، سبّبت إحراجات في تمثيل العراق الرسمي في مناسبات ومؤتمرات ببعد قومي عربي.كما أعلنت أطراف المكوّن السنّي تشكيل «مركز سياسي وطني» جامع لها، تشابهاً بـ«الإطار» و«التحالف». ذلك تحت مؤشرات ضغوط خارجية أكثر من التنافس مع التشكيلات الداخلية الأخرى، وتنفيذ رغبات لا تمت بصلة للمواقف الوطنية واستقلال وحرية الوطن. ونشرت، في أكثر من حالة، تصريحات مدفوعة من ضغوط خارجية كشفتها الزيارات واللقاءات المصورة والمعلنة والسماح لها في دور يهمها أكثر من سير العملية السياسية وما يتعلّق بتحوّلات الأوضاع الداخلية. وهذا المركز السياسي يقوم، إضافة إلى المشاركة في تكريس المخطط الاستراتيجي للعراق، باختيار رئيس للبرلمان.وصولاً إلى المكون المسيحي الذي أعلن هو الآخر عنواناً لتجمّع أطرافه المشاركة في الانتخابات، وترشيح ممثليه للمسؤوليات المقررة عرفاً لهم.

 

في مخاض السيرورة للعملية السياسي بعد انتهاء التصديق على نتائج الانتخابات والفترات الدستورية لانعقاد البرلمان (مجلس الشعب) وتكليف رئاسته ورئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، ومن التجربة، ستجري مماطلات واختلافات وصراعات داخل المكونات وكتلها وشدّ ومدّ زمني دون تقدير حقيقي لما يعمل فيه أو يستند عليه.يضاف إلى ما ورد سابقاً من توصيف لمجريات العملية السياسية، أنها تظلّ متتابعة أو متواصلة مع سيرتها منذ تشكلها، فالدورات الانتخابية الست التي حصلت أثبتت أن ثمة ما هو مخطط ومرسوم يكشفه السائد أو القائم فعلياً دون تغيير حتى شكلي وتلوين باهت لوضع بلد لم يعش حياته كما يجب أو ينبغي له. ظلّت لوحة البرلمان تدور في دائرة الكتل السياسية ذاتها، بمسمياتها التقسيمية، وغابت صورة التمثيل الشعبي الواقعي للشعب العراقي فيها، حتى بما ادُّعي له من تسميات المكونات والتفتيت المنهجي للمجتمع العراقي.وكذلك تقاسمت المشهد السياسي سمات وصفات لا توفّر تغييراً حقيقياً ولا تطمح لمعالجة السلبيات والأمراض المدانة في الواقع السياسي، من شيوع الفساد والزبائنية والإفلات من العقوبات والمحاسبة القانونية والأخلاقية، وتسمين المحاصصات الطائفية والإثنية والتبذير في ثروات الوطن، البشرية والمادية، وغياب الشفافية والمكاشفات العلنية لما يخدم البلاد والعباد.

 

من جهتها، حمّلت الأطراف الخاسرة في الانتخابات البرلمانية خسارتها لقانون الانتخابات الذي تمت العملية الانتخابية عليه، ولم تناقش أسباب فشل خطواتها في التحضير والمنافسة وكذلك في صيغ التحالفات التي عملت واعتمدت عليها ودور أطراف فيها. حرقت أوراقها قبل ظهور نتائج الانتخابات أو إعلان موعدها. وتوضّح عندها، غياب أو تغييب تيارات سياسية عابرة للمحاصصات الطائفية والإثنية وتعلن عن برامج إنقاذية للأزمات والمعوقات المتنوعة، اقتصادية واجتماعية وثقافية وغيرها. 

 

خلاصة المشهد السياسي العراقي توضح دور سياسات الاحتلال الأميركي ومتخادميه الغربيين ومحيطه العربي والإسلامي وعملهم المستمر، العلني والسرّي، في تأطيره بين جدران تخلّف، وتعقيد التحوّلات الممكنة، وتجهيل المجتمع، وتسهيل طرق الهيمنة والاستعمار، وتفتيت قواه وقدراته وطاقاته، والتأثير الكبير على رسم خارطة تقسيمه وتجزئته، وتحجيم تطوّره وتقدّمه. الأمر الذي يُفزع مَن يحرص ويصدق في آماله وتوقعاته وينتظر فرصته في البناء والتجديد والتغيير.

الثلاثاء، 9 ديسمبر 2025

نداء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان


تضع ذكرى صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان العالم كله، ومن وقع عليه خصوصا، أمام اختبار حقيقي، حكومات ومنظمات دولية ومؤسسات مجتمع مدني تدعي أو تزعم الدفاع عنه أو تتحدث باسمه أو بمحتواه. 


عمر طويل وزمن كاف لوضع الأمور في نصابها الصحيح. كل عام تجري احتفالات، هنا وهناك، من قبل أوساط تحمل اسمه، وإشعال شموع من اجله، واغلبها من باب اضعف الإيمان. ولا تخلو ذكراه، وليس يوما من أيام السنة وحسب، من انتهاكات صارخة لمواده ولمعناه وحتى لاسمه. 


وليس غريبا طبعا أن تكون الدولة التي احتضنته وادعت به وحملته شعارا لحملاتها العدوانية على البلدان أو المعسكرات الأخرى، أو في حروبها الأيديولوجية وغيرها من ملفات قائمة تطول عليها، هي الأكثر خرقا لبنوده، والأشد مخالفة لنصه، والأوسع انتهاكا لأبسط معانيه.


عقود من الزمن، وما زالت كلماته التي حملها منذ البدء تتحدث عن قيم ومبادىء عامة، إنسانية، حضارية، مترابطة، تصب في مجراها العام في صالح الإنسان وحقه في العيش الكريم في وطن حر وعالم عادل.


 وهي لا تثير اختلافا كبيرا في مراميها أو توجهاتها ولكنها بعد هذا العمر الطويل تصرخ بنداء إعادة قراءتها من جديد والعمل على تطبيقها بما يليق بها، لا بما يخالفها ويتذرع بها لمصالح ضيقة أنانية تخدم العدوان والحروب والهيمنة والاستغلال. (ماذا أعدت الدول والمنظمة التي أصدرته في العاشر من ديسمبر 1948 لتطبيقه ومحاسبة كل من أخل به وأساء له وحاربه بجوهره ومدلولاته، هذا العام؟). 


وضحت ديباجته والثلاثون مادة منه أهميته، وإعادة كلمات منها قد تذكر أو تنفع في الذكرى:  لما كان الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم. ولما كان تناسي حقوق الإنسان وازدراؤها قد أفضيا إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني، وكان غاية ما يرنو إليه عامة البشر انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة ويتحرر من الفزع والفاقة. 


ولما كان من الضروري أن يتولى القانون حماية حقوق الإنسان لكيلا يضطر المرء آخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم. ولما كانت شعوب الأمم المتحدة قد أكدت في الميثاق من جديد إيمانها بحقوق الإنسان الأساسية وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء من حقوق متساوية وحزمت أمرها على أن تدفع بالرقي الاجتماعي قدماً وأن ترفع مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح. ولما كانت الدول الأعضاء قد تعهدت بالتعاون مع الأمم المتحدة على ضمان اطراد مراعاة حقوق الإنسان والحريات الأساسية واحترامها. 


ولما كان للإدراك العام لهذه الحقوق والحريات الأهمية الكبرى للوفاء التام بهذا التعهد. فإن الجمعية العامة تنادي بهذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه المستوى المشترك الذي ينبغي أن تستهدفه جميع الشعوب والأمم حتى يسعى كل فرد وهيئة في المجتمع، واضعين على الدوام هذا الإعلان نصب أعينهم، إلى توطيد احترام هذه الحقوق والحريات عن طريق التعليم والتربية واتخاذ إجراءات مطردة، قومية وعالمية، لضمان الاعتراف بها ومراعاتها بصورة عالمية فعالة بين الدول الأعضاء ذاتها وشعوب البقاع الخاضعة لسلطانها”.


ومنذ مادته الأولى التي تقول بولادة جميع الناس أحرارا متساويين بالكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلا وضميرا وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضا بروح الإخاء، تبدأ الأسئلة عن الجرائم التي ارتكبت وما زالت ترتكب بحق الإنسان، من الولايات المتحدة وحلفائها ولاسيما إدارتها الراحلة، والى باقي الحكومات التي تدعي إمكانات في حماية الحقوق وشعارات الحرية والمساواة وغيرها، ورغم مرور هذه الفترة مازالت الإدارات الأمريكية خصوصا تدعم اشد الحكومات عداء لحقوق الإنسان، وتمارس اشد العنف ضد الإنسانية، لا بل تنفذ عقوبات جماعية على ملايين من البشر وتقوم بجرائم حرب وحشية يوميا، والشواهد مرئية ومثبتة بالصوت والصورة في وسائلها ولا يتحرك لها أو عندها شعور أو ضمير إنساني، منطلقا من تلك المادة الأولى من الإعلان. 


وتقترف الإدارات الأمريكية بنفسها جرائم حرب واحتلال لشعوب وبلدان باعتراف منظماتها الحقوقية وغيرها من المنظمات الدولية، وتمارس عمليا إبادة جماعية وتطهيرا عرقيا  كما تدير وتنتهك بأعمالها ابسط تلك الحقوق المنصوص عليها في الإعلان وديباجته. 


كما أنها مسؤولة قبل غيرها عما يحصل في العالم من ارتكابات جسيمة ضد حقوق الإنسان وكرامته وثرواته وأرضه. وهي المادة الأولى في النداء الحالي الذي يراد منه أن يكون الإعلان مرة أخرى وأخيرة موضع احترام وتقدير واقعي وتحقيق فعلي وذات قدرة على وضعه في التحديات الرئيسية والمهمات الأولى لأية حكومة أو منظمة محلية او إقليمية او دولية.


وإذا أضفنا مواده الأخرى التي تنسجم كليا مع الشعارات المرفوعة يصبح النداء واجبا إنسانيا على الجميع، سلطات ومنظمات وأفراد، التقيد بمواده ومعانيها القانونية والأخلاقية. ومعلوم أن العالم طور فيه صوب خدمة الإنسان، والحقه بعهود إضافية تكفل احترام كل الحقوق الإنسانية وتكرم بني البشر لما هو حق طبيعي وفعلي لهم.


 تضيف له الوثائق الأخرى التي حثها صدوره ودفعها للعمل عليها من تركيبتها القومية أو الإقليمية أو الدينية، لتجمع بالأخير معنى حضاريا عالميا له ولمكانته وموقعه في سلم الأوليات الإنسانية التي تطالب الأمم المتحدة بالالتزام به من جديد وبروح تنفيذية عملية، لا تتفرج أو تصمت كما حصل في أحيان كثيرة على الممارسات المتعارضة معه.


نداء للإعلان عن عالميته والتأكيد عليه وضرورة تطبيقه من اجل الإنسان.

الأحد، 2 نوفمبر 2025

أبو أوس وداعاً


خبر صاعق فاجأنيوانا اقرأ نعيه في  صفحة رفيق مشترك. كما حصل حين كتب رفيق آخر كلمة تحية له في احتفال جريدة طريق الشعب بذكرى صدور اول جريدة شيوعية في العراق، صدمت ايضا وهرعت ابحث عن صحة الخبر من اول كلمة في المقال، غادرنا. واتصلت برقمه الهولندي للتحدث مع اي من العائلة قبل ان أكمل قراءة المقال المرفق بصورته الشخصية الملونة، واذا صوته يرد بدهشة فقلت له باقة ورد اخرى أزفها لك اضافة للباقة المرسلة لك اليوم في الجريدة، ولكن الكلمة الاولى غير موفقة فقد أدمعت عينيي يا ابا اوس، وانت العزيز الذي بقي يستحق أكثر من باقة الورد تلك.

حين شاركته في مهرجان الجريدة السنوي وخرجنا منه قبل أعوام قال للرفيق المصاحب لنا، أنا وابو بشير اصدقاء من ايام الجامعة وكنا نتزاور بين الكليات ونلتقي في كلية الفنون الجميلة عند رفاق ورفيقات اخر، ذكر اسماء بعضهم واستمرت المعرفة في العمل في الجريدة، ولقاءات متواصلة تختصر مسافات المطبعة ودار الرواد ومقر الجريدة في شارع السعدون او مقرالحزب في الكرادة.

والتقينا في الجبال في كردستان وشاركته في إعداد احتفالات عيد الحزب والأول من ايار والمناسبات الرفاقية الشخصية ايضا، (كما في الصورة المرفقة) وحوارات الهم الحزبي والوطني والأممي. ولم ينقطع حبل التواصل ونحن في منافي الله الواسعة.

وحين عاد إلى بغداد مساهما بتفان ونزاهة وصدق في الجريدة التي سهر الليالي مع رفاق ورفيقات لأجل ان تصدر وتشع بين الكادحين والمستضعفين في الارض، اعدت اللقاء به كلما ازور العراق، ونستعيد سوية او مع اخرين صفحات من تلك الايام.

فجعت .. وبألم قاس اكتب هذه الكلمات. هل حقا حل الوداع الأخير قبل أوانه، ورحل صديق لا تكفيه مفردات المحبة والصداقة والرفقة المخلصة لمعانيها والوفاء الذي ملأ صفحة مراسلاتنا وأوجاعنا وهمومنا في وسائل التواصل الاجتماعي. صعب عليّ ان اقول لك وداعا ولكنها الأقدار التي لا تراعي ولا تنتظر وتردد ما قاله الأولون عن الفراق الأخير، هي التي تضيف لاحزاننا ما يراكمها ويجمع في سلتها ما لا يطاق له ذكر.

وداعا ابا اوس، جواد كاظم الطائي .

الخميس، 4 سبتمبر 2025

الجمعة، 15 أغسطس 2025

رأي في كتاب مقالات الأخبار آراء فيما حصل وما يحدث

 رأي في كتاب:

مقالات الأخبار … آراء فيما حصل وما يحدث

للكاتب كاظم الموسوي


ضياء مجيد*

 

بالرغم من تقلبات السياسة والأحداث السياسية من حولها فان مقدرة الكاتب على التكهن الواقعي والإصابة الدقيقة في التحليل والاستنتاج تواجه تحديا قاسيا ولكن عنصرا اساسياً في تقديم عرض جوهري واضح للأحداث الجارية واستقراء ما ستؤول إليه لاحقا على المدى القريب والبعيد. ضمن هذا السياق نرى كاظم الموسوي قد اظهر قدرة كبيرة على النفوذ العميق في ماهية الصراعات والأحداث التي شهدتها الأعوام التي تلت سقوط النظام العراقي السابق، حيث استهلّ الكاتب مقالاته من هناك، بدءا بموضوع الانتخابات العراقية ومرورا بالمعارضات السياسية العربية بما فيها العراقية ثمّ الحالة الخاصة بالإخوان المسلمين، ومجمل التدخلات الخارجية الغربية وتحديدا الامركية التآمرية الغادرة فيها. ويسلط الضوء على كنه ومحتوى القوى المعارضة الفاعلة على الساحة، سواء في البلد الام او بلاد المهجر وما أكثرها، ويبين مدى ارتباطاتها بالقوى الاجنبية المؤثرة. والأمثلة التي أوردها لما حصل في الماضي تبدو ساطعة التأثير والفعل في ظرفنا الحاضر، وهو دليل على قدرته في النفوذ إلى اعماق الظاهرة.

وينظر الكاتب الى الاحداث الجارية نظرةً انتقادية ثاقبة نراها تتعدى ظرفها القائم لتعبر الى فضاءات المستقبل حيث تتشابك الظروف في تعقيد شائك متعدد الأبعاد. كما يقوم بتشخيص الجوانب السلبية في الحركة القائمة قائلا:(( واقع حال الامة ليس بخير ولا يشي به، لان الغفلة والمحاباة والتزلف والانكفاء وغيرها هي التي توفر الاسباب لذلك.)).ولا يكتفي بهذا فحسب بل ينتقل إلى الحلول العملية، فيؤكد على أن:(( طاقات الامة وخيراتها كبيرة وقادرة على التغيير والتجديد والتطوير…)). ثم يلفت انتباه الحركات الجماهيرية الى ضرورة النظر (( بعيون فاحصة واسعة لاعادة البناء بكل حرص وعزم في أعمدة النهضة، واخلاص ووفاء في خطوات التقدم)). وما طرحه الكاتب في تلك المرحلة ما زال ينبض بالحياة الآنية والضرورة الملحة في الظرف الراهن.

وضمن سلاسة الطرح والأسلوب الشيق، نرى الكاتب يجذب القارئ إلى الاندماج في ماهية التفكير والتحليل للنص ضمن تساؤلاته حول الثقافة والمثقفين. وما اذا هناك من خلل أو مأزق في الثقافة أم المثقف نفسه، أو التساؤل عن أسباب نهج اليسارويين الذين أجّجوا نيران الطائفية في كتاباتهم أو طروحاتهم المتسرعة وغير المسؤولة، او ما يتعلق بالغموض الذي لفّ الاوضاع عند احتلال داعش للرمادي والموصل…وغيرها من التساؤلات التي لم يترك بابها مفتوحا دون اجابة جادة وواضحة، بل أغناها بالتفصيل المسهب والحجج الدامغة (( داعيا إلى خطاب جديد ونضال كفاحي متواصل…))، والى وضوح في الاهداف المرسومة. والتركيز على انجاز مهمات التحرر الوطني والتهيؤ لاعادة البناء والإعمار ودفع عجلة التطور الى الامام بقدرات محلية وطنية واخرى بمساعدة الدول الحليفة والصديقة للتخلص من تبعات التدخلات الغربية في شؤون البلدان العربية والتركة الاستعمارية الثقيلة التي خلفها على ظهور شعوبنا. ويؤكد الكاتب ان:(( استمرار الاحتجاجات في الشوارع والساحات)) يمثل ضرورة وطنية وواجب اخلاقي وقانوني. (( وهذه الصورة للمشهد القائم تعكس تطور الوعي الشعبي وقوة الإرادة الوطنية لرسم مستقبل الوطن وبناء الدولة المعنية))، وهي مستلزمات آنية وعاجلة. وكشف ان هذه التظاهرات الاحتجاجية قد افشلت النوايا الخبيثة والمساعي المعادية للقوى الخارجية والداخلية العميلة، وكذلك محاربة الفساد المستشري في مفاصل الدولة جميعها والتي تشير اليه الأرقام المليارية التي تهدر سنويا بعيدا عن عملية البناء لاقتصاد متين وتنمية مستدامة وفق برامج وطنية، وتكامل في الادارة والاقتصاد وإشراك المجتمع بكل فئاته وأجناسه. ليس بعيدا عن تحليلات الكاتب الشاملة واستنتاجاته الدقيقة من صراع على الساحة الداخلية العراقية، وعلى وجه الخصوص في شمال الوطن عند اقليم كردستان العراق، مؤكدا أن أزمات العراق لم تقتصر على جزئه العربي، بل تعدتها إلى الكردي، سواء (( الأزمات السياسية والمالية والاقتصادية وكوارث الفساد والصراعات الداخلية حول المكاسب والمناصب)). وان ما يعمل عليه الحزبان الحاكمان في الساحة الكردستانية هو في مصلحتهما الذاتية ليس إلا، حزبيا واقتصاديا وسياسيا البعيدة عن احتياجات الجماهير الكردية الحياتية. ويدعو (( قيادات الحزبين الرئيسيين الحاكمين في الإقليم إلى التوصل إلى حلول متوافق عليها)) وتحكيم العقل والمصالح الوطنية. ويؤكد الكاتب هنا ان (( في اوضاعنا العربية اليوم اكثر من حالة تقتضي المواجهة ودعم الممانعة فيها والمقاومة معها، ومنها بيان تضامن معنوي بتواقيع شخصية وهو أضعف الإيمان.)). وفي هذا الصدد تناول الكاتب الحراكات الشعبية وما قدمته من دروس كثيرة واعطائها نبضاً لتحرك الجماهير العربية (( ورفع الصوت والغضب والتحدي لارهاب السلطات، وضد الاستبداد والفساد والتواطؤ مع المشاريع العدوانية. )).

إن حصيلة القراءات الموسعة والتحليلات المعمقة اضافة إلى التوصيات والمقترحات التي أوردها الكاتب في طيات هذا الكتاب، الذي قاربت صفحاته الثلاثمائة، تمثل اجندة عمل متكاملة للقوى الشيوعية واليسارية والوطنية والقومية ذات التوجهات الرافضة للتدخلات الاجنبية الخارجية في شؤون البلاد العربية والعراق على وجه الخصوص.

من يقرأ الكتاب او بالاحرى المواضيع المطروحة، يرى أن كل موضوع منها يمثل لبنة أساسية لبناء واسع القاعدة متشعب الجوانب متنوع الأبعاد، ويدعو إلى المزيد من البحث في جوهره ومحتواه عمقاً وشمولاً. وهذا ما جرى التعبير عنه بكلمات الكاتب من انه (( امر لا تغطيه، بالتأكيد، مقالات ولا دراسات وحسب، وانما يحتاج إلى ورش وهيئات ولجان عمل..))، وهو ما يمثل دقة أجادها في الصياغة والتشخيص. فكل مقال فيه يمثّل دعوة فكرية لدراسة موسعة وتعمق شامل لواقع معقد بحاجة إلى التغلغل المفصل في جوانبه المختلفة الايجابية منها والسلبية بروح نقدية معمقة وبناءة..

* كاتب ومترجم- لندن

الأحد، 3 أغسطس 2025

زياد …وداعا

هكذا هي الدنيا، بلابوش دنيا، تخسر فيها، في هذه الأمور دائماً، رحيل مبكر، فقدان قبل أوانه، غياب عن اللقاء بعد، وصمت ثابت بعد صمت مربك. رغم كل الحضور المباشر، والاصطدام العنيف، والهزة الزلزالية في اللحن والكلمة والتعليق والخيارات والإرادة والعزيمة الصادقة، بإيمان وصدق ووضوح و بيان معلن لا خفاء بين سطوره ولا لف ودوران بين كلماته..

مات جسد زياد عاصي الرحباني ولكن زياد باق معنا، ذكرى وذاكرة وموسوعة ثقافية إبداعية، في النص والمسرح والفيلم والغناء واللحن والموسيقى، والنقد والهزل والجد في الخطاب العملي اليومي.. 

زياد اعلن بنفسه شيوعيته، اشتراكيته، دون انتساب ورقي، وجاهر بيساريته النبيلة، بانتماء مشتبك، كمثقف عضوي، جدير بمكانته واعماله وسلوكه، ثائرا متمردا، محفزا ومبشرا ومنظما لثورة مسلحة رغم فوضاه وموجات غضبه وشهادته لزمن لا يستطيع  لبسه كما هو او كواقع سائد، ملطخ بالعجز الباعث على الخجل منه وضرورة إعلان الثورة عليه، في التنظيم والشارع والحراك الثقافي واليومي لشعب ووطن ضحى بالكثير من اجل التغيير والتجديد والتقدم.

قدراته الثقافية عموما دفعته لقراءة الواقع وتحليل تحولاته وتطور أساليب التعامل معه في الممكن السلمي او بالعنف الثوري، وبأعلى أساليب الكفاح وانطلاقا من الفنون التي لا ينازعه احد فيها.

جمع بقدرات فائفة بين خياراته الفكرية والإبداعية الفنية، وتمكن من وضع طاقاته في المشهد العام جزءا من التحول والبناء المعرفي والمقاربات التي ظل يعبر عنها في كل ما انتج وأبدع واصدق فيه..ردا على جمود ورفضا لخنق وتصلب وامتيازا في التعبير والموقف.

وجع الرحيل وصبر الام وقسوة الفراق الاجتماعي يفقع الروح والبقاء والانتظار .. اليس هو القائل والمنشد والعازف لنشيد يردده الجميع كما هو دون حسابات او حساسيات الصورة الموجودة في الحاضر المحزن.. ويقوده في اوركسترا والات موسيقية رنانة كمفرداته ولحنه وأصوات المنشدين له؛ 

هذا السيد…. هذا القائد ….(…)

هذا حفيد محمد هذا نشيد علي هذا بشائر عيسى هذا نصر الله…

يا احرار العالم

خلف القائد سيروا… سيروا

تحت ظلال السيد ثوروا…ثوروا….ثوروا… (حسب النص المتوفر لدي الآن)

وهل تنسى كلماته في رسالة الوداع الاخيرة: "العيش من دون السيد جحيم مدسوس فيه العسل، أنا إذا بموت راح موت فقع من الفقد مش من المرض."

من يمكن ان يتجرأ ويقول او يعمل ما انجزه زياد.. اليس كل هذا لسان حال عبقرية وموهبة منتجة واخلاق يسارية بلا حدود؟.

زياد… وداعا.